|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
| |
|
الفكر النقدي عند محمد جاسم جبارة في كتابه (مناهج السرديات والسردية العربية)
|
|
عماد بشير الجيرو
|
|
|
|
كلية التربية للعلوم الانسانية، قسم اللغة العربية، جامعة الموصل، نينوى، العراق
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 10 May 2025
Revised: 11 June 2025
Accepted:21 June 2025
|
|
إنّ قضية السرد من القضايا النقدية التي أثارها النقد في العصر الحديث ، ومن التعريفات الاصطلاحية للسرد هو أنّه فعلٌ لا حدود له، يتسع ليشمل مختلف الخطابات سواء كانت أدبية أم غير أدبية ، يبدعه الإنسان أينما وجد وحينما وجد . وكان هناك جدال كبير في كونها ذات أصول قديمة في تراثنا العربي، لوجوده في كثير من النصوص التراثية العربية ، أو في كونها من الثقافة الغربية التي وصلت إلى العربية من عدة طرق . يعدّ الدكتور محمد جاسم جبارة من الناقدين والباحثين العرب الذين أولوا عناية بالسرد والسردية عموماً وامتلكوا تلك الثقافة في تحليلاتهم وآرائهم ، فقد درس السردية والشعرية العربية والنقد الأدبي في كثير من بحوثه وكتاباته . لقد اجتهد هذا البحث في تتبع ملامح الفكر النقدي عند محمد جاسم جبارة في كتابه (مناهج السرديات والسردية العربية) ، وقامت دراستنا على ثلاثة محاور ، تناولنا في الأول : السرد والسرديات : الماهية والحدود ، أمّا المحور الثاني : تناولنا فيه اتجاهات النقّاد العرب في نشأة الرواية العربية ، أمّا المحور الثالث : تناولنا فيه : ملامح السردية العربية عند محمد جاسم جبارة.
الكلمات المفتاحية: الفكر النقدي، السرد، جبارة، عبدالله إبراهيم ، يمنى العيد.
|
|
Keywords:
Critical Thinking
Narrative
Jabara
Abdullah Ibrahim
Yumna Al-Eid
|
|
Corresponding Author
Imad Bashir Al-Jiro
emad.basheer@uomosul.edu.iq
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v4.i1.a14 ©Authors, 2026, College of Education, Alnoor University.
This is an open-access
article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
|
|
Critical thought in Muhammad Jassim Jabara's book (Narrative Methods and the Arab Narrative)
Imad Bashir Al-Jiro
College of Education for Humanities, Department of Arabic Language, University of Mosul, Nineveh, Iraq
Abstract
The issue of narrative is one of the critical issues raised by modern criticism. One of the technical definitions of narrative is that it is a limitless act, encompassing various discourses, whether literary or non-literary, created by humans wherever and whenever they find themselves. There has been considerable debate over whether it has ancient origins in our Arab heritage, given its presence in many Arabic heritage texts, or whether it is a product of Western culture that has reached Arabic through various channels .Dr. Muhammad Jassim Jabara is one of the Arab critics and researchers who have devoted attention to narrative and narrative in general and have incorporated this culture into their analyses and opinions. He has studied Arabic narrative, poetry, and literary criticism in much of his research and writing. This research has endeavoured to trace the features of critical thought of Muhammad Jassim Jabara in his book (Methods of Narratives and the Arab Narrative), and our study was based on three axes. In the first, we dealt with: narration and narratives: the essence and limits. As for the second axis, we dealt with the trends of Arab critics in the emergence of the Arab novel. As for the third axis, we dealt with: the features of the Arab narrative of Muhammad Jassim Jabara.
أولاً/ السرد والسرديات: الماهية والحدود
-السرد (Narration):
مصدر سَرَد يسرد (Narrate)، وهو مصطلح عام يعني: "الإخبار عن فِعْلٍ أو واقعة حقيقية أو متخيَّلة، يُقدمها سارد (أو ساردون) لمسرود له (أو لمسرود لهم). وقد سَرَدَ؛ أي حكى أو قَصَّ، أو قَدَّم فعلاً، أو واقعة نسميها (حدثاً) يتكامل مع (حدث آخر) ليُشكل موضوعاً متصلاً في القصة والرواية ولحكاية والشريط السينمائي والإذاعي وغيرها من الأشكال التي تستند إلى نص مكون من حوادث مكتوبة أو منطوقة أو مرئية أو مسموعة" (الفيصل، 2023، ص 208-209) (1)
قدَّم النقاد الغربيون تعريفات غير قليلة للسرد، كالإخبار (Telling) والقصة Diegesis" إلّا أنّ هناك مصطلحاً واحداً ليس غير، هو السّرد، والمصطلحات الأخرى حالات سردية وليست سرداً خالصاً، إنّ المصطلحات السردية عند الغرب غير مستقرة بل إنّ لكل ناقد مصطلحات خاصة تختلف عند غيره، ولو أمعنا النظر جيداً لوجدنا أنّ أغلب اصطلاحات الغربيين السّردية هي افتراضات من حقول معرفية مختلفة عن ميدان الإبداع الأدبي. وقد اختلف الدارسين والنقّاد في ترجمة المصطلحات المرتبطة بالسرد، إذ إنّ مفهوم السرد يندرج ضمن المفاهيم المستخدمة في الساحة النقدية العربية، استعمله النقّاد ليكون المفهوم الجامع لكل التجلّيات المتصلة بالعمل الروائي أو الحكائي. وتأتي أهميته باعتباره مصطلحاً وجنساً يستدعي أن تكون له أنواع، كما يستدعي أن يكون له تاريخ (الفيصل، 2023، ص 209-210)
أمّا التعريف العام للسرد "هو أنّ السرد يضم قصةً وخطاباً موجَّهاً إلى جمهور أو قاريء بحسب والاس مارتن؛ أي أنّه يضم حدثاً مرتبطاً بالزمن والسببية، يتطور بتقدم الزمن وبتأثير الحدث السابق في الحدث اللاحق، هذا ما يُوفِّر سرد القصة أو الحكاية أو الرواية من زوايا مختلفة، لكل زاوية منها خطابها الخاص بها، ولا بدّ للسرد في الحالات كلها من حوافز تحركه وتجعله يقدم الحكاية بحوادثها الرئيسة والفرعية، أهم هذه الحوافز: السببية والتتابع وترتيب الحوادث والتشويق والإيقاع والاستمرار والزمن؛ لأنّ السرد يجسد الزمن، وهو نفسه مرتبط بالحوادث، والحوادث مرتبطة بالحكاية" (الفيصل، 2023، ص 210) (1)
يدل السرد على تتابع الحديث والقراءة وإجادة سياقهما (عبد النور، 1979، ص 139)، فهو "تقديم حكاية معينة في فصل محدد يمارسه فاعل معين في زمن مخصوص" (العجمي، 2004، 13) (3).
وتعدُّ المادة الحكائية متناً مصاغاً صياغة سردية (إبراهيم، 1990، ص 105) (4)إذ تمثل السردية الوريث الشرعي للكشوفات النقدية الخاصة بنظم الصياغة وتتسع لمظاهر القص جميعها (الرويلي والبازعي، 2000، ص103) (5)فالسردية هي فرع من أصل كبير هو الشعرية التي باستنباط النظم التي تحكمها والقواعد التي توجه ابنيتها وتحدد خصائصها وسماتها (تودوروف، 1987، ص 23) (6)كما تعنى السردية بمظاهر الخطاب السردي أسلوباً وبناءً ودلالة (سشايفر، 2007، ص 206) (7)، والسرد هو المصطلح العام الذي يشتمل على قص حدث أو أحداث بعرضها بوساطة اللغة (اسماعيل، 1976، ص 187) (8).
-السردياتNarratives":
يقول بول ريكور: "إذا أردنا أن ندقق في كلامنا فينبغي علينا أن نعدّ السرديات علم البنيات السردية دون أن نضيع في التمييز بين المحكي التاريخي والمحكي التخييلي، بيد أنّ السرديات وبحسب الاستعمال المعاصر للمصطلح تركز على محكي التخييل، دون إقصاء لبعض الاقتحامات في مجال التاريخيات" (لوكام، 2009، ص147) (9)
أمّا جريماس فيرى:"أنّ إعداد نظرية للسردية تبرر وتؤسس بحق للتحليل السردي بوصفه مجالاً لبحوث مكتفية ذاتياً لا تنحصر في تحسين وشكلنة الأنماط السردية المتحصل عليها عن طريق عمليات الوصف المتعددة والمتنوعة فحسب، ولا في نمذجة هذه الأنماط التي تختزلها جميعاً، وإنّما في إقامة بنيات سردية بوصفها هيئة مستقلة أيضاً داخل الاقتصاد العام للسيموطيقا" (لوكام، 2009، ص148) (9)
ويجمع المشتغلين بالسيميائية السردية على مسألة الانتقال من حالة إلى حالة أخرى التي غدت قطب الرحى في تحليلاتهم للبنى العميقة للمحكي، فأيّة سميوطيقا يمكن أن تعلل إمّا بوصفها نظاماً (system) أو قضية (process) كما يمكن أن تحدد البنيات السردية بوصفها مكونات للمستوى العميق للقضية السيميوطيقية. وقد طرح جينيت فيما بعد مجالاً لضربين من السرديات: إحداهما موضوعاتية بالمعنى الواسع، وتعني تحليل القصة أو المضامين (المحتويات) السردية والأخرى شكلية أو بالأحرى صيغية وتعني تحليل المحكي بوصفه صيغة لتمثيل القصص في مقابل الصيغ غير السردية كالصيغة الدرامية، ودون استثناء بعض الصيغ الأخرى الخارجة عن الأدب (....) وفي مقابل هذا التصور الحصري، يموضع بعض النقاد السرديات في أطر معرفية أوسع، مثل (جان ميشال آدم) إذ يقول: يمكن تحديد مصطلح السرديات بوصفها فرعاً من علم العلامات العام، السيميولوجيا، وهي بذلك تبذل قصارى جهدها في تحليل صيغة التنظيم الداخلي لنوع معين من النصوص، وهذا يصلها بمجال تحليل الخطاب مثلما يضعها في علاقة مع نحو النصوص (لوكام، 2009، ص 148-149) (9)
وذهب ماتيو كولاس في كتابه (حدود المحكي) الذي نبّه إلى وجوب التفكير في التمييز بين سرديات عامة وسرديات أدبية حين قال: في الحقيقة، إنّه في حال وجود محكيات كلامية غير أدبية فإنّ دراستها تتغذى بشكل واسع على دراسة المحكيات الأدبية؛ لأنّ المستوى اللفظي الذي تتموضع فيه تحليلاتها بدقة تسمح بتجاهل تحديد افتراضي للأدبية (لوكام، 2009، ص 150) (9)
يعود جينيت عن رأيه السابق، حين صرَّح في كتابه (التخييل والإلقاء) أنّ على السرديات سواء استندنا إلى صياغتها اللغوية على أساس أنّها دراسة الخطاب السردي، أو إلى جانبها الموضوعاتي على اعتبار أنّها تحليل لمتواليات أحداث أو أفعال مروية بواسطة الخطاب، أن تشتغل بكل أنواع المحكيات التخييلية أو غير التخييلية.. لكن يتضح بجلاء توجه اهتمام فرعيّ السرديات وانحصاره تقريباً في هيئات وموضوعات محكي التخييل فقط. ويختتم دراسته بعبارته المثيرة: إذا كانت الأشكال السردية قد استطاعت أن تعبر وبشكل نشيط الحدود بين التخييلي واللاتخييلي، فإنّ على السرديات أن تحذو حذوهما، وفيما يبدو فقد غدا هذا المطلب مستعملاً. وقد كان من آثار الاهتمام المكثف بجهد جينيت، وضع السرديات في إطار تواصلي، فقد أعادت السرديات المعاصرة موضعة الخطاب السردي في استراتيجية التواصل، فمنتج النص يبين نصه بناء على الآثار التي يهدف إحداثها لدى المؤول (لوكام، 2009، ص151) (9)
ثانياً / اتجاهات النقّاد العرب في نشأة الرواية العربية:
يمكن تصنيف التنظيرات التي قدّمها كثير من النقّاد العرب البارزين إلى ثلاثة اتجاهات أساسية:
الاتجاه الأول: يقول بالنشأة الغربية الخالصة للرواية العربية. ومن أنصار هذا الاتجاه في النقد العربي المعاصر صبري حافظ، الذي أعلن في كتابه (تكوين الخطاب السردي العربي دراسة في سوسيولوجية الأدب العربي الحديث) أنّ نشأة السردية العربية الحديثة وليدة بروز حساسية فنية جديدة عند جمهور جديد ضاق ذرعاً بالمرويات السردية الشفوية والأساليب النثرية الكتابية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر لإغراقها في ما هو غرائبي وعجيب ومفارق للمعيش والمجتمعي، ولإيغالها من حيث الأسلوب في الصنعة البديعية المتكلفة. هذا فضلاً عن أنّه تكوّن لدى هذا الجمهور الناشيء رؤية مغايرة للعالم جعلته ينفر بسبب ثقافته المتحصلة من احتكاكه بالأدب الغربي الحديث وممّا هو مكرس وسائد وتقليدي، ويهدف إلى إبداع جديد أكثر عمقاً في ما هو دنيوي ومتحول، وهو ما استجاب له كتّاب القرن التاسع عشر من خلال استحداثهم هذا اللون السردي الجديد في الثقافة العربية، متمثلاً في الرواية والقصة، مستثمرين في ذلك انفتاحهم على المنجز السردي الغربي، وتشبعهم بأنساقه الفكرية والفنية.
يندرج ضمن هذا الاتجاه أيضاً موقف الناقد سعيد يقطين الذي قدمه من خلال كتابه (قضايا الرواية العربية الجديدة: الوجود والحدود، حيث أنكر، وبحدة حاسمة، أن يكون لفن الرواية جذور في التراث السردي العربي القديم، مشدداً على أنّ الرواية فن غربي حديث، وامتدادها إلى الثقافة العربية تم بفضل جملة من الوسائط الغربية، كالطباعة والترجمة وبشكل أبرز الصحافة، لما اضطلعت به من دور منتج في الاقتراب باللغة العربية من الحياة اليومية، موسعةً بذلك دائرة التلقي، هذا فضلاً عن تخصيب البنية التخييلية للرواية، ورفدها بطاقات تعبيرية هائلة انبجست من قدرتها على صهر مختلف تقنيات الفنون الأخرى داخل صوغها الروائي، وتمثيل مختلف التصورات والأفكار المتصارعة في الواقع الاجتماعي.
الاتجاه الثاني: هو نقيض للاتجاه السابق، وهو يرفض الاعتراف بفاعلية المؤثر الغربي. ويُعدُّ الناقد عبدالله إبراهيم من أبرز ممثليه، إذ يذهب في كتابه البارز (السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة) إلى أنّ التنظيرات القائلة بأنّ ميلاد الرواية العربية هو حصيلة التأثر بالثقافة الغربية، إنّما تكشف في تضاعيفها عن خضوع لمصادرات الخطاب الاستعماري، وامتثالٍ لمعاييره الناجزة عن كونية أشكاله وتفوّقها، وقابليتها لأن تتحول إلى مقاييس نهائية نموذجية تُقوّم في ضوئها باقي الأشكال والفنون الأخرى المنتجة لدى أمم مغايرة من دون استحضار جدّة سيرورتها التاريخية والثقافية، وخصوصية محاضنها الاجتماعية، مشدِّداً في الوقت نفسه على أنّ ظهور الرواية العربية في منتصف الثاني من القرن الثاني من القرن التاسع عشر، هو وليد تحلُّل المرويات السردية الشفوية وتفكُّكها، وتحوّلها إلى رصيد سردي هو بمثابة الأرضية الخصبة التي انطلقت منها بواكير الرواية العربية.
الاتجاه الثالث: يمكن وصفه بالاتجاه الفلسفي التحليلي، ولا تعني هذه التسمية أنّ أصحابه يعتمدون خلفيات فلسفية ونقدية معينة في استقرائهم ملامح تشكل الرواية العربية وأفق مستقبلها. إذ تكشف دراساتهم عدم احتفالهم بتعيين طبيعة نشأة الرواية العربية: هل هي غربية خالصة أم حصيلة الحراك الثقافي والاجتماعي الذي ساد عصر النهضة ؟ وإنّما تنصب مقاربتهم بالدرجة الأولى على تفسير مغايرات الحقل الثقافي والاجتماعي والفكري التي تناسجت مع أسئلته سرديات جيل التنوير، تفسيراً فلسفياً ونقدياً لاختطاط الطرق المعرفية، الكفيلة بتوصيف كيفية نشأة الرواية العربية، واستشراف المنعطفات المحتملة لتطورها، ويمكن التمثيل لهذا الاتجاه الثالث بموقفين بارزين متباعدين من حيث الفترة الزمنية، وهما لعلمين من أعلام الثقافة العربية المعاصرة.
يتجلّى الموقف الأول في الأطروحة التي قدّمها عبدالله العروي في كتابه (الإيديولوجية العربية المعاصرة)، وتتحدد أبرز تمفصلاتها في التقليل من شأن الجهود العربية الأولى التي بُذلت من أجل استنبات الشكل الروائي العربي، لأنّها _من منظور العروي_ اكتفت بالمحاكاة الحرفية للشكل الروائي الغربي البرجوازي، غافلة عما يختزنه من حمولات فلسفية من جهة ومشروطيته من جهة ثانية، بسياقات تاريخية محددة تقف وراء تشكيل شخصياته الروائية، وما ينحفر وراءها من أبعاد فكرية ومرجعية تتجلى في تقاليد المجتمع البرجوازي الغربي، وهو ما جعل هذه المحاولات الروائية العربية _بحسب العروي_ تتورط في السطحية والاجترار والافتعال الفني، وتخفق في إنتاج أعمال روائية محكومة بنوعية الأسئلة والقضايا في محاضنها الدنيوية والتاريخية، الأمر الذي دفعه للتشديد على أنّ الشكل الأنسب للروائيين العرب في تشخيص قضايا مجتمعاتهم هو الشكل القصصي وليس الروائي.
أمّا الموقف الثاني: يتمثل في كتاب (نظرية الرواية والرواية العربية) للناقد فيصل درّاج، وقد انطوت على كثير من الأحكام النقدية المثيرة للجدل، في مقدمتها اعتبار فيصل درّاج ولادة الرواية العربية ولادة معوّقة عند رواد النهضة، لكون الحقل الثقافي الذي ولدت فيه البواكير الأولى للرواية العربية هو حقل مونولوجي يفتقر إلى تعددية المعارف وتنوعها، نتيجة خضوعه لثقافة تقليدية تلقينية منحازة إلى ما هو مكرَّس وسائد ومتوارث من جهة، ولعجز النص التنويري الذي كان يواكب ظهور سرديات القرن التاسع عشر وتطورها عن تخصيص أسئلته من جهة ثانية؛ لأنّه ظل مشتتاً بين ثنائيات متصارعة من قبيل التراث/ الغرب، العقل/ الإيمان.. (الجرطي، 2015، ص 150-152) (10)
لم يتبنَّ الناقد محمد جاسم جبارة في كتابه (مناهج السرديات والسردية العربية) اتجاهاً محدداً أو يتخذ موقفاً معلناً من مسألة الرواية العربية ونشأتها؛ بل كان سعيه كما يقول في مقدمة الكتاب هو تحقيق دراسة في نقد النقد، "وربما ينظر بعض الدارسين إلى هذا المنهج بوصفه عجزاً عن تقديم مشاريع مبتكرة أو تقديم أطروحات جديدة، إلّا أنّنا نؤكد أنّ صعوبة نقد النقد تفوق كثيراً الدراسات الأخرى؛ والسبب في ذلك يعود إلى متابعة المنجز النقدي لمجموعة كبيرة من النقاد على اختلاف ثقافاتهم وانتماءاتهم الأيديولوجية والمذهبية، ونتحقق من مرجعياتهم ونقيّم أهدافهم، ثم علينا بعد ذلك تحرير رؤية مبتكرة أو تعزيز الرؤى بالأدلة الإضافية، فضلاً عن تحليل النصوص التي نرى أهميتها في تثبيت الدعائم المنهجية والانتقال بين التنظير والتطبيق من أجل إضفاء الواقعية على المنهج. وبعد هذا وذاك نتحقق من قيمة الاختيارات والمحاور التي تناولها الدارسون في معالجة الموضوع. إنّ كل ذلك يدعونا إلى تحمل ثمن القرار عند اختيار النصوص واختيار النقاد وبناء محاور البحث" (جبارة، 2022، ص 8) (11)
ثالثاً / ملامح السردية العربية عند محمد جاسم جبارة:
تبقى صعوبة فهم اطروحات النقاد العرب في عدم وضوح انتماءاتهم الأيديولوجية والعقائدية وغاياتهم التي يرمون إليها ومناهجهم التي يعتمدونها، إذ إنّهم وقفوا في وسط الطريق بين الغرب والموروث العربي، ومن النادر أن نجد موضوعية خالصة في أطروحاتهم ليس للحقيقة طبعاً وإنّما للمنهج المتَّبَع فهناك نقلات كبيرة في مناهج الدارسين فمرَّة يتزمتون للتراث ومرة يتزمتون للحداثة ويرفضون التراث، ومرة يتحدثون عن الحكايات الشعبية في التراث العربي وأخرى يتحدثون عن الرواية العربية المعاصرة، ويمكننا أن نسجل ملاحظة أولية تشير إلى التقسيم السردي بين التراث الحكائي والرواية الحديثة، وتتبع هذه الملاحظة إمّا نكران القيمة المرجعية للموروث العربي أو الاعتراف بقيمته الفنية (جبارة، 2022، ص 139)(11)
لقد حظيت المادة السردية العربية القديمة والحديثة بنصيب من الدرس النقدي كبير، ولمّا كان محمد جاسم جبارة يستند بشكل صريح إلى النص السردي في بعديه الداخلي والخارجي، فإنّه لا يقدم جملة من التبصرات المثيرة في السردية العربية فحسب، بل يتبيّن ويناقش مجموعة من الصلات المهمة بين أنواع أدبية محددة والسياقات الثقافية، بشكل يعيد النظر في مجموعة من آراء المهتمين في هذا المجال وعلى رأسهم الناقد عبدالله إبراهيم فهو من خلال الاهتمام الذي أبداه بتكون السردية العربية الحديثة بوصفها تناصاً لكونها تحتوي وتمتص نصوصاً من المجتمع والتاريخ بمعناه الواسع، وأيضاً بصيغ التلقي وأنماطه المختلفة التي تتحكّم فيها مجموعة من القيود المؤسسية والإيديولوجية.
إنّ من بين أسباب تأخر اهتمام النقد العربي بالسرد العربي هو نتيجة العناية المتجاوزة التي أولاها هذا النقد للشعر العربي، وتوجه التحليل والدراسة إليه على مدى عقود طويلة، ومن ناحية أخرى أسهمت الشفاهية التي تتحكم في نظام الإبداع والتلقي في الثقافة العربية وليس السرد فقط الذي تعرّض لجانب من تهميش السرد القديم، وذلك يعود للتغيّرات التي طرأت عليه بسبب التداول الشفاهي له، إذ كرّست عملية رواية الشعر في ظل غياب الكتابة والتدوين أدبية الشعر وحده، وجعلت النثور من كلام العرب يتراجع إلى الوراء قليلاً؛ وعليه فالشعر "نتاج للشفاهية، ولذا يركّز على حاسة السمع كي يحافظ على بقائه، في حين أنّ النثر يعدّ نتاجاً للكتابية محرّراً من قيود الاستظهار الشعري، أو الحفظ عن ظهر قلب" (ر. أولسون ديفيد، 2010، ص 20-21) (12)، فضلاً عن السلطة التي فرضها الدين عليه لما حواه هذا السرد من قيم منافية لمبادئه.
يطرح جبارة موضوع أهمية المرويات السردية العربية عند عبدالله إبراهيم والتي فُقِدت قبل الإسلام، والتي يتوجه فيها بشكل صريح لاتّهام العقيدة بأنّها أصبحت "دعامة للمؤسسات السياسية، لذلك قامت باجتثاث الموروث الروحي والعقلي الذي سبقها" (إبراهيم، 2011، ص 11) (13)ثم يسترسل في بيان ما فعله الإسلام من إقصاء العقائد القديمة التي تحتوي على مرويات سردية مهمة قبل الإسلام كما يراها إبراهيم. غير أنّه لم يقدم لنا دليلاً منطقياً أو وثائق جديدة أو مكتشفات آثارية ومصادر تعزّز ما ذهب إليه؛ وهو الأمر الذي عجز المستشرقون من قبل عن إثباته في محاولة بعضهم إنكار الوحي والتشكيك بالقرآن الكريم وبنبوة النبي محمد (صلّى الله عليه وسلم) (جبارة، 2022، 139) (11). فقد صار للسرد العربي بمجيء الإسلام سلطة دينية توجهه وتسيطر عليه، إذ قوبل بداية بالاستهجان لارتباطه بالخرافة والكذب، ثم ما لبث أن أصبح وسيلة للوعظ والتذكير.
يرى عبدالله إبراهيم أنّه "بعد أن وقف الإسلام معياراً قيميّاً للمرويات السردية الجاهلية التي ورثها العرب عن أسلافهم التي تحمل في ثناياها كلّ معتقداتهم وثقافتهم وأساطيرهم والمعبّرة عموماً عن البطانة الدينية للمجتمع الجاهلي التي تناقض الإسلام في مختلف مبادئه، عمل الإسلام على فرز هذه المرويات فما خالفه أتلف وما كان ممكناً إذعانه للدين استبقي وعدَّل مع ما يمكن أن يخدم الإسلام" (إبراهيم، 2011، ص 8) (13)،هذا يعني تحوّل الإسلام إلى معيار لحكم القيمة؛ ذلك أنّ المنتج الجاهلي وكل الخطابات الشعرية والنثرية التي حاولت التأسيس لنظرة مغايرة، تعرّضت للاستبعاد بالنظر إلى مروقها عن الإطار الديني المسطّر لها، فكان مصيرها الإعدام والحجب والتجاهل؛ لأنَّها تزيغ عن مسار الرسالة السماوية (حويشي هاجر، 2024، ص 658)
وهنا يفنِّد جبارة آراء عبدالله إبراهيم ويعدّها ترديد معكوس لنظرية الشك في الشعر الجاهلي "ولكن إبراهيم يتحدث بثقة عن نظريته حول السرديات المفقودة، وليس له سوى طرح الفرضيات بدون دليل منهجي، وهي أقرب ما تكون إلى أنّها ترديد معكوس لنظرية الشك في الشعر الجاهلي التي كانت أكثر تتبعاً ودقة ومنطقية.. ومن الغريب أن يثق بالتزام الرواة ومحافظتهم على تغييب كلّ ما يناقض العقيدة وتفانيهم في الدفاع عن السلطة وكأنّهم مؤسسة تابعة لديوان الخلافة، ونحن نعلم أنّ رواة الشعر العربي، فضلاً عن رواة الأحاديث النبوية الشريفة، وأخبار العرب وأيامهم، لم يكونوا بهذا الالتزام ووضعوا وحرّموا الكثير واتُّهم العديد منهم بالزندقة" (جبارة، 2011، ص139) (11)
ورغم ذلك فإبراهيم يقرر أحكامه الايجابية على الرواة ووقوعهم تحت مؤسسة السلطة، لم تكن متماسكة إلى هذا الحد مع وجود الفرق والملل والنحل المتصارعة التي يرويها لنا التاريخ. فلماذا يلتزم الراوي بإخفاء المرويات ولم يلتزم بإظهار الأخبار الكاذبة! ثم يعدد أسباب ضياع المرويات السردية وخسارتها إلى أمور عديدة (جبارة، 2011، ص 140) (11). فيقول: "تلاشت المرويات السردية في الفضاء الشفوي الواسع لأسباب منها حوامل لعقائد الجاهليين الوثنية، ومنها قصور الوسائل الكتابية، ومنها سيادة التقاليد الشفوية" (إبراهيم، 2011، ص 14)
لقد تمثلت المرويات السردية القديمة جانباً كبيراً من التاريخ المشكّل للسلطة، إذ خضع واضعوها لأنساق هذه السلطة المتعالية على اختلاف أنواعها سياسية أو معرفية أو دينية، ممّا جعل تاريخاً كبيراً معيباً ومقصياً ومسكوتاً عنه (عبابسة وعشاري، 2021، ص 62) إذ "أدّى الانعطاف التاريخي الذي مثله ظهور الإسلام إلى إقصاء الجانب الأساس من المرويات السردية الجاهلية؛ لأنّها استثمرت وقامت بتمثيل العقائد القديمة، أي أنّها عبرت عن البطانة الدينية للمجتمع الجاهلي، أمّا الأجزاء التي وصلتنا فمثلت الجانب الذي أذعن لضغوط الدين واستجاب له" (إبراهيم، 2011، ص 12) (13)
وهنا يتساءل جبارة عن سبب عدم تدوين غير المسلمين لهذا التراث السردي من يهود الجزيرة العربية والنصارى، فإذا مُنعت عقائد الجاهليين الوثنية المسلمين العرب من نقل التراث الوثني، فلماذا لم يتمسك أعداء المسلمين، وخاصة من اليهود بتدوين هذا التراث وهم أعلم العرب بالكتابة والتدوين من باقي العرب من غير اليهود قبل الإسلام وبعده. ونعلم أنّ يهود الجزيرة لم يكونوا بعيدين عن أخبار العرب ومروياتهم، إذ شاركوا في رواية هذا التراث وإبداعه، فضلاً عن ذلك فاليهود أحوج للمرويات التي تُعرّض بالقرآن الكريم وتشكك برسالة النبي محمد (صلّى الله عليه وسلم) (جبارة، 2011، ص140)(11)
فيما يجد عبدالله إبراهيم أنّ السرود الشفاهية تشكّلت متأثرة بالنظام الشفاهي السائد الذي استمد قوته المعرفية من المرجعيات الدينية والفكرية التي وجهته ووجهت نظرته لما فيه خدمة للدين، أي "عطلت أمر البحث الموضوعي في أصول المرويات الجاهلية وطبيعتها بوصفها مرويات كاملة الصياغة، ليس فيما يخص العصر الجاهلي بل في الثقافات الشفوية كافة، ولعل أكثر المداخل عملية وفائدة في فحص طبيعة المرويات السردية الجاهلية أن يتجه البحث إلى السمات الأسلوبية والتركيبية والدلالية للنثر القرآني والنبوي باعتبارهما صورة مما كان شائعاً من تعبير نثري آنذاك" (إبراهيم، 2011، ص 12)؛ (13)لكنّ عبدالله إبراهيم يصرّ على أنّ الوصول إلى هذه المرويات لا يكون إلّا بعبور حاجزين صار من المتعذر علينا عبورهما وهما: القرآن الكريم والتدوين، فالقرآن"حجز بيننا وبين معرفة حقيقة ما كان قبل ذلك، ثم بدأ التدوين في ظل المؤسسة الدينية فاستبعد ما لا يتوافق وشروط الامبراطورية الإسلامية" (إبراهيم،2011، ص 13)(13)
إنّ مسألة انتقاص القرآن الكريم من السرديات القديمة بوصفه لها على أنّها أساطير الأولين كما يدّعي عبدالله إبراهيم، يستند في ذلك لأشهر رواة البصرة في القرن الثاني الهجري كما يزعم وهو (الفضل بن عيسى الرّقاشي)الذي يقول: (ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر ممّا تكلمت به من جيد الموزون، فلم يُحفظ من المنثور عُشُره، ولا ضاع من الموزون عُشُره، فأمّا وصف القرآن للمرويات القديمة بأنّها (أساطير الأولين) كما يقول إبراهيم، فإنّ الآيات التي ذكرت أساطير الأولين جاءت على لسان الكفار في وصفهم للقرآن الكريم، ولم يصف القرآن الكريم أحاديث الكفار بأنّها أساطير الأولين، وهذا بدوره يدل على ضعف علاقة العرب الجاهليين بالبطانة الدينية التي يؤكد إبراهيم على عمق وجودها في المجتمع الجاهلي، فالكفار يصفون القرآن بالأساطير وليس العكس، وفي كل الآيات التي وردت فيها كلمة (أساطير الأولين) جاءت بهذا المعنى. يتساءل جبارة بإنكار"ولكن مَن هذا الراوية الرقاشي الفذ الذي يحتج به إبراهيم؟ عند تتبعنا للرقاشي في كتب الرجال والرواة وجدنا اسمه يتردد في كتب الضعفاء مرات عديدة، وأجمع أكثرهم أنّه ضعيف" (جبارة، 2011، ص140-141)(11)
لقد كانت استنتاجات جبارة صائبة أمام الآراء المتحاملة لعبدالله إبراهيم فيما يخص بمصطلح (أساطير الأولين)، إذ لا يجد إبراهيم أسوأ من هذا الراوية ليستشهد بكلامه على ما فقدنا من تراثنا الجاهلي، ليتوصل إلى ما لم يقل به المستشرقون ولا غيرهم من دارسي التراث العربي، ولم يؤكده القدماء من علماء اللغة والأخبار والأدب في القرنين الثاني والثالث الهجريين، فلا يُعقل أن تكون مرويات الجاهليين كلها قائمة على العقائد التي تناقض الإسلام لتشير إلى مجتمع مؤمن بديانته الوثنية تديّناً عميقاً جعل كل مروياته الشفاهية تختص بتمجيد الآلهة وترديد تعاويذ الكهنة والعرّافين، وهو الأمر الذي لا يؤكده الشعر ولا الأخبار الجاهلية، وما نعلمه من الدارسين هو تأكيدهم على غلبة الشعر دون المرويات السردية (جبارة، 2011، ص 142) (11)
إنّ التدوين الحاصل في القرن الثاني الهجري اضطلع بمهمة الحفاظ على المرويات المتداولة والتي تقبّلها النسق المهيمن في ذلك العصر، ومن جهة ثانية تجاهل من خالف ذلك النسق على اعتبار أنّ العصر الجاهلي يختلف عن عصر التدوين في المشكلات السياسية والاجتماعية والروحية (عبابسة وعشاري، 2021، ص 63) (14) ومن ثمة "فإنّ كثيراً من المرويات التي استلهمت العصر الجاهلي واستثمرت معطياته القبلية والدينية لم تجد مكاناً في مدونات عصر التدوين في ظل المؤسسة الدينية التي لها منظورها وتصوراتها الخاصة" (إبراهيم، 2011، 114) (13)، مما يعني استبعاد كثير مما هو مخالف لطبيعة العصر وقبل ذلك مما هو معارض لموقف الإسلام وغير مستجيب لشروط المتلقي التي فرضها الواقع الثقافي والديني لتلك الفترة (عبابسة وعشاري، 2021، 63) (14)
ويتلخص رأي جبارة في المرويات السردية المتروكة بأنّ هذه المرويات – إن كانت مهمة – فقد اقتصرت على أخبار العرب قبل الإسلام خصوصاً تلك التي تروي المنازعات والخلافات والحروب التي وقعت بينهم، فقد تركوها لكي لا تعود إليهم ثارات الجاهلية، فاستغنوا عنها حفاظاً على تآلفهم، وليس لأنّها تقوم على عقائد دينية تناقض الإسلام. ولو كان الأمر كما يدّعي عبدالله إبراهيم لرأينا ازدهاراً لأساليب القص والحكاية في العصر الأموي بما يتناسب مع روح الإسلام، إلّا أنّ الذي حصل هو ازدهار الشعر وتنوع أساليبه على الرغم من موقف الإسلام الصريح من موضوعاته التي جاءت بالغزل الصريح والهجاء المقذع والتعرّض لأعراض الناس، ولم تردعهم (المؤسسة الدينية) إلّا إذا كانت ترى ذلك من مصلحة السلطة، التي تبدو بحسب ما ذهب إليه عبدالله إبراهيم أنّها كانت مستوى عالٍ من التفكير الأيديولوجي والتحصين الأمني، إلى جانب ذلك يؤكد (جواد علي) صاحب كتاب (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) على أنّ المجتمع الجاهلي لم يكن مجتمعاً متديناً، ولم يكن دور رجال الدين فعالاً في تعليم الناس أصول الأديان وأسجاعهم، لذلك سيكون منطقياً عدم وجود نصوص سردية جاهلية تتناقض مع روح الإسلام؛ لأنّها نصوص دينية وثنية وامتنع المسلمون من نقلها خوفاً من (المؤسسة الدينية الإسلامية) (جبارة، 2011، ص 143) (11)
يستمر عبدالله إبراهيم في الوقوف على الأحكام القيمية التي فرضها النص القرآني وأرسى دعائمه الحديث فيما بعد، من خلال توضيح موقف الرسول (صلّى الله عليه وسلم) من القصص والقصاص، والذي جعل موقعه مرتبطاً بمدى تقديمه للحقيقة الدينية ومسايرته لهدف (عبابسة و وعشاري، 2021، ص 64)، ومن هنا "كانت الخدمة التي يقدمها القاص للدين هي الفيصل في موقف الرسول منه، وورد عنه يهذا الصدد قوله: "لا يقصّ على الناس إلّا أمير أو مأمور أو مختال" (إبراهيم، 2011، ص 63) (13)
ولا يجامل جبارة في موضوع خلط السرد بالمركزيات الثقافية لدى عبدالله إبراهيم وما نتج عن ذلك من محاولة انتقاص بعض النقّاد من الموروث العربي، إذ يرى أنّ دراسة عبدالله إبراهيم تقع في مفترق الطرق بين الأدبي والعقائدي والتاريخي، فهو يسعى إلى إيجاد الروابط بين السرد والمركزيات الثقافية، ولكن لا تخلو افتراضاته من خلط وافتراء وتشويه للقيم الأدبية والفنية والتاريخية، واتّباع أهواء الحداثة التي أسسها على الانتقاص من الثوابت المنهجية التي قام عليها الدرس الأدبي العربي، بل من القيم العقائدية التي حاورها على أساسها الشفاهي ليجعلها نسقاً مضاداً للخطاب الشفاهي الجاهلي بما يحتويه من مرويات سردية مثلت الجانب الروحي والثقافي للمجتمع العربي، ونحن مع جبارة في استغرابه إذ يقول: "ولا أدري لماذا يسارع عدد من النقاد والمعاصرين إلى خلخلة القيم العقائدية بدعوى التجديد وتحديث الخطاب، ومحاولة الاختلاف دون مراعاة القاريء العربي المسلم وغير المسلم الذي يحتاج إلى تعزيز انتمائه القومي والعقائدي وانفتاح آفاقه الثقافية بدلاً من هدم ثوابته الأخلاقية تجاه الموروث، ومن الغرابة أيضاً أن يرى بعض النقاد انتقاصاً في الموروث العربي؛ لأنّه كان يعبر عن شعرية المجتمع الذي تأسست ثقافته على الشعر بما في ذلك من احتساب العقل العربي الذي أبدع الحياة عن طريق المجاز، فالمجتمع الشعري هو مجتمع أخلاقي سام، بعيد عن النثرية والخطابية والتزييف (جبارة، 2011، ص 143)(11)
ممّا سبق نرى أنّ الدكتور محمد جبارة يمتلك من الجرأة المعرفية في تعاطيه مع النص الإبداعي السردي عبر حوار صريح وموضوعي ما يؤهله لدفع عجلة النقد العربي إلى الأمام، فهو ينجز مشروعه النقدي على خلفية السؤال والسؤال مفتاح المعرفة، لاستبصار كوامن النص مغادراً الدراسات السوسيولوجية التبسيطية والمضمونية التي هيمنت طويلاً في مضمار النقد الأدبي العربي لينطلق إلى إنجاز هذا المشروع عبر تساؤلات في كنه النص ليندرج تحليله النصي ضمن ما يسمى بالسوسيو سرديات.
يتتبع جبارة الناقدة يمنى العيد في كتابها (الرواية العربية المتخيَّل وبنيته الفنية) للوقوف عند خصوصية الطرح الذي قدمته المؤلِّفة بشأن نشأة الرواية العربية الحديثة مفكِّكة من خلاله جملة من التنظيرات النقدية العربية التي قاربت سؤال تشكّلها في عصر النهضة في ضوء مرجعيات نقدية ناجزة مستوحاة من النظرية الأدبية الغربية الحديثة، كنظرية جورج لوكاش وحوارية ميخائيل باختين.فيقول "إذا كان عبدالله إبراهيم يؤمن بأصالة السردية العربية في الموروث العربي على الرغم من الكثير من المفقود، وأنّ الرواية العربية المعاصرة تنتمي إلى هذا الموروث السردي، فإنّ يمنى العيد تنكر تماماً انتماء (الفن الروائي) إلى هذه السرديات الموروثة، وتؤكد على انتمائها الغربي الخالص (جبارة، 2011، ص 144) (11). فتقول "بداية أشير إلى أنّ الرواية العربية فن حديث، لا تقاليد له سابقة أو موروثة، في تراثنا العربي الأدبي، ذلك أنّه لئن كان للعرب تراث سردي، وكان بإمكان الرواية العربية أن تفيد منه، فإنّ علينا كباحثين ونقّاد، أن نميّز بين الفنون السردية التي منها الفن الروائي" (العيد،2011، ص 7) (15) . ترفض يمنى العيد الآراء المدافعة عن وجود تقاليد سابقة للرواية في الموروث السردي العربي، مشدِّدة على حداثتها في الثقافة العربية، وكونها وليدة التفاعل مع المنجز الروائي الغربي. "فهي تنفي أي مرجع تراثي للرواية العربية الحديثة، وتؤكد ضرورة إعادة تصنيف الأجناس السردية التراثية لنتعرّف على الخصائص النوعية لكل جنس ثم نضع الرواية تحت الجنس المناسب. وأمّا سبب هذا النفي فهو يعود إلى طبيعة السرد الروائي وتقنياته التي تختلف عن باقي أنواع الفنون السردية" (جبارة، 2011، ص 144-145)، )11( فتقول: "إنّ لفنية السرد الروائي الحديث في تشكله عالماً روائياً قواعد وتقنيات تخصّه وتميّزه بصفته الروائية، وتختلف عن فنية تشكل عالم المقامات مثلاً، أو عن قواعد وتقنيات تخص وتميّز بين الحكايات الشعبية، دون أن يعني ذلك قطيعة بين فن الرواية وبين هذه الفنون السردية الأخرى، وعدم إمكانية إفادة الرواية منها" (العيد، 2011، ص 7) (15)ويعارض جبارة (يمنى العيد) في مزجها بين الأجناس الأدبية وتقنيات كتابتها، لتجد أنّها غربية في تأسيسها المنهجي وإنتاجها التأليفي، فيقول:"إنّ نفي أي أثر مرجعي للرواية العربية الحديثة في السرد العربي القديم، لا يجعل الفن الروائي فناً دخيلاً غريباً عن نمط الذوق العربي والثقافة العربية، فالفن الروائي كذلك هو فن حديث بالنسبة لتاريخ الأدب الغربي إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار التقانات السردية واللغة والتخييل والهدف من التأليف الروائي. فالأجناس الأدبية لا تظهر بوصفها (موضة) أو نمطاً من الحياة الكمالية التي تزيّن جانباً من الفراغ الاجتماعي، ولا تظهر كذلك من أجل التقليد فقط، وهي ليست نموذجاً للاستعمار الثقافي، بدليل انتشار جنس أدبي دون آخر وفي عصر دون عصر، فربما تستغل المؤسسة الاستعمارية الأدب لترويج أيديولوجية معينة لكنها لا تستطيع الترويج لجنس أدبي. لذلك نرى أنّ الأجناس الأدبية حاجة وضرورة يقررها المجتمع في مواجهة الثقافة والتاريخ. وقد أكدت العيد أنّ الرواية العربية في مراحلها الأولى كانت تحاكي الرواية الغربية في أسلوبها وقواعد بنائها وقصّرت عن بناء عالمها المتخيّل" (جبارة، 2011، ص 146) (11)
بحسب يمنى العيد فإنّ جِدة الرواية العربية في الأدب العربي الحديث، يعود إلى العناء الشديد الذي واجهته في تمييز صياغتها الفنية، إذ ظلت ترزح في تشكلاتها الأولى مع رواد النهضة ضمن إسار محاكاة الشكل الروائي الغربي (الجرطي، 2015، ص 153) (10)تقول يمنى العيد: "لقد كانت الكتابة الروائية العربية تواجه قلقاً والتباساً لا فقط على مستوى المسرود، أو الحكاية وبما هي حكاية المعيش في الواقع (في نهضته وحروبه وهزائمه، في ما يُبنى ويُهدم)، بل أيضاً على مستوى المتخيل الذي عانى، فنياً، قلق المتغيّر والمختلف، قلق الإفادة من تجربة الآخر دون السقوط في التقليد والمحاكاة، والعجز عن قول ما تود الكتابةُ قولَه" (العيد، 2011، ص 9) (15)، ومن هذه الوجهة فإنّ "إقرار يمنى العيد بالدور الفعال الذي اضطلعت به ثقافة الآخر في ظهور الرواية العربية لا يعني _من منظورها_ اغتراب هذه الرواية الكلي عن سياقها الاجتماعي والتاريخي، وما كان يشهده من حياة مربكة، يتجاور فيها القديم والحديث بكل مكوناته وظواهره التي تخص الثقافة والعمارة واللباس والسلوك، ومجمل نظم العيش وتقاليده، بل إنّ الرواية العربية حاولت ببنيتها التعبيرية التي كانت في طور التخلق، ويتناسج داخلها أسلوب السرديات الموروثة مع التقنيات الغربية الوافدة الانغراس في محاضنها الدنيوية، تشخيص ما تمور به من اسئلة وقضايا وتحولات" (الجرطي، 2015، ص 153) (10)
يقدم جبارة المزيد من الطعون في رؤية العيد حول السردية العربية في انتمائها الغربي الخالص، إذ يقول: "لو أردنا تطبيق هذا المنهج الذي تتبعه العيد في رؤيتها للمرجعيات التراثية على الانتاج الغربي، سنقرر أنّ رواية (الحمار الذهبي) للوكيوس أبوليوس لا يمكن أن تكون أصلاً للرواية الغربية؛ لأنّها تختلف تماماً عن تقنيات الرواية الحديثة ابتداءً من (دون كيشوت) لسرفانتس مثلاً. ولا يمكننا كذلك أن نتفهم مذهب لوكاتش في اعتبار الرواية ملحمة برجوازية، إذا ما اعتمدنا على التصنيف التقني بين الأجناس السردية" (جبارة، 2011، ص 145)(11)
استناداً إلى هذه المعطيات، يمكننا القول، أنّ اعتماد يمنى العيد جملة من التنظيرات التي قادها الوقوع في إسار بعض النظريات الروائية الكبرى في الغرب إلى تبخيس المنجز السردي العربي خلال عصر النهضة، والحكم عليه بالاغتراب عن واقعه الثقافي والحضاري، والتماهي مع التقاليد الفنية والفكرية للرواية الغربية. يأتي في مقدم هذه لتنظيرات السائدة، الطرح الذي قدّمه فيصل درّاج بشأن نشأة الرواية العربية، حيث انتهى، مستضيئاً بحوارية باختين، إلى نعت ولادة الرواة العربية ب"العجز والإعاقة" (الجرطي، 2015، ص 153)، تقول يمنى العيد مُذكّرة بموقف فيصل درّاج: "هكذا، واستناداً إلى تنظير باختين، قد يبدو الحقل الثقافي العربي الذي يفتقر إلى تنوع المعارف وتعددها، وحواريتها، وبالتالي إلى وعي معرفي متعدد ومتنوع تستدعيه الشخصيات الروائية باعتبار حواريتها، حقلاً عاجزاً عن توفير الشرط الإنتاجي لعمل روائي عربي. أو قل: إنّ مثل هذا العجز سيترك أثره في إمكانية صياغة خطاب روائي عربي يستحق إدراجه في هذا النوع الأدبي الحديث، أو وضعه على مستواه، حتى لكأنّ الرواية العربية تعاني، وحسب البعض، إعاقة وسمت نشأتها كما تطورها لاحقاً" (العيد، 2011،ص 9) (15)
الخاتمة:
· اهتم جبارة بالسرد القديم والحديث، وتميّز كتابه (مناهج السرديات والسردية العربية) بالبعد المنهجي منطلقاً من المناهج النقدية الحديثة، سعياً منه أن يبرز الأسس العلمية والعملية للسرد العربي، وقد كان كتابه منطلقاً لدراسة السردية العربية.
· يمتاز مشروع جبارة النقدي من غيره من النقاد بالعمق الكشفي الذي يقود إلى التفكيك والتركيب، وإعادة الإنتاج، فالنقد لديه حالة تجلِّ على النص من خلال النص، وحالة توحد بين الذات الناقدة والذات المبدعة (الساردة).
· يلمس الناقد في دراسته صعوبة فهم أطروحات النقّاد العرب في عدم وضوح انتماءاتهم الأيديولوجية والعقائدية، فهناك نقلات كبيرة في مناهج الدارسين فمرَّة يتزمتون للتراث ومرةً يتزمتون للحداثة ويرفضون التراث، ومرة يتحدثون عن الحكايات الشعبية في التراث العربي وأخرى يتحدثون عن الرواية العربية المعاصرة.
· يرى جبارة أنّ العديد من النقّاد ما زالوا يعتمدون على المماثلة بين الإنتاج العربي والإنتاج الغربي ليكون الأخير مرجعاً تقويمياً لكل إنتاج عربي.
· تكمن رؤية جبارة في أنّ الناقد العربي يقف بين الأصول العربية والمتغيرات الثقافية التي يراهما اشتركا في إنتاج السردية العربية الحديثة. وهذا بالتأكيد هو المسار التاريخي لأية حركة أدبية حديثة، فليس هناك نوع أدبي يظهر دون أن يستلهم من موروثه الصنفي، بإعادة تحديثه وفق المعطيات المنهجية المستحدثة. غير أنّ تفكك الأنظمة السردية التقليدية وانتزاع الشرعية مسائل غير واضحة، فما السلطة التي تستطيع أن تفكك وتنزع الشرعية عن السرد القديم؟. وهنا نلاحظ أنّ خطاب التشكيك ما زال قائماً في المنظور النقدي العربي الحديث، وهو يتأرجح بين النظرة المنكسرة والخجولة نحو التراث العربي التي تجعل النقّاد يقفون موقف الدفاع مرة وموقف الرفض مرة أخرى.
· لم يتبنَّ الناقد محمد جاسم جبارة في كتابه (مناهج السرديات والسردية العربية) اتجاهاً محدداً أو يتخذ موقفاً معلناً من مسألة الرواية العربية ونشأتها؛ بل كان سعيه هو تحقيق دراسة في نقد النقد..
References
1-Al-Faisal, Samar Ruhi. (2023). Novel Terminology: From Definitions to Concepts. Publications of the Syrian General Authority for Books, Damascus.
2-Abdel Nour, Jabbour. (1979). Literary Dictionary. 1st ed. Dar Al-Ilm lil-Malayin, Beirut.
3- Al-Ajmi, Mursil Faleh. (2004). Narratology: A Theoretical Introduction. Annals of Arts and Social Sciences, Kuwait University, Issue 206.
4- Ibrahim, Abdullah. (1990). The Narrative Imaginary: Critical Approaches to Intertextuality, Vision, and Signification. 1st ed. Arab Cultural Center, Beirut & Casablanca.
5- Al-Ruwaili, Majan, & Al-Bazai, Saad. (2000). A Guide for the Literary Critic: An Introduction to More Than Fifty Contemporary Critical Trends and Terms. 2nd ed. Arab Cultural Center, Beirut.
6- Todorov, Tzvetan. (1987). Poetics. Translated by Chokri Mabkhout & Raja Ben Salama. Dar Toubkal for Publishing, Casablanca.
7-Ducrot, Oswald, & Schaeffer, Jean-Marie. The New Encyclopedic Dictionary of Linguistic Sciences. Translated by Monther Ayachi. 1st ed. Arab Cultural Center, Beirut.
8- Ismail, Ezzedine. (1976). Literature and Its Arts: Study and Criticism. 1st ed. Dar Al-Fikr Al-Arabi, Beirut.
9- Loukam, Salima. (2009). Reception of Narratology in Maghrebi Criticism. 1st ed. Dar Sahar for Publishing, Tunis.
10- Al-Jarati, Ahmed. (2015). “The Arabic Novel: The Imaginary and Its Artistic Structure in the Criticism of Yumna Al-Eid: Toward a New Vision of Formation Context and Critical Practice Horizons.” Tabayyun Journal for Intellectual and Cultural Studies, Issue 14, Vol. 14. Arab Center for Research and Policy Studies.
11-Jabbara, Mohammed Jasim. (2022). Approaches to Narratology and Arabic Narratology. 1st ed. Egyptian General Book Authority.
12-Olson, David R. (2010). Literacy and Orality. Translated by Sabri Mohammed Hassan. 1st ed. National Center for Translation, Cairo.
13-Ibrahim, Abdullah. (2011). Narrative Dialogues. 1st ed. Arab Scientific Publishers; Manshurat Al-Ikhtilaf; Dar Al-Aman, Rabat, Morocco.
14-Ababsa, Hadria, & Ashari, Samira. (2021). Critical Issues in the Book “Narrative Dialogues” by Abdullah Ibrahim. Master’s Thesis, Larbi Ben M’hidi University, Oum El Bouaghi, Faculty of Arts and Languages, Department of Arabic Language and Literature.
15-Al-Eid, Yumna. (2011). The Arabic Novel: The Imaginary and Its Artistic Structure. 1st ed. Dar Al-Farabi, Beirut.