|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الصورة الفنية في نونية المتنبي
|
|
|
|
|
|
طارق حسين علي النعيمي
|
|
|
المديرية العامة لتربية نينوى
|
|
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
|
Article History:
Received: 8 September 2024
Revised: 13 October 2024
Accepted: 25 June 2025
|
|
تتكون الصورة الشعرية من تفاعل الشاعر والقارئ باتحاد الأفكار والحواس لتتوحد الرؤى فتظهر قدرة الشاعر على تشكيلها ، فيعبر عنها بأساليب بيانية مختلفة تقوم على التضاد الصوري بأشكال جمالية متعددة ، فالصور علاقات لغوية تشكلها رؤية الشاعر الخاصة على وفق ما يقتضيه الموقف ويصوره بخياله الخصب وبما يتلاءم مع صورة حواسه فيصنع صور ذهنية خيالية تقوم على استدعاء اوصاف الممدوح وشجاعته. وقد بدت الصور الشعرية في قصيدة المتنبي التي يصف فيها شعب بوان بشكل جلي بمقدمة حماسية وما يحصل بالحروب ومواقف تحصل نتيجتها وما يذكر فيها من مفردات هذه الحروب كالأسلحة (السيوف والرماح والخيول ودروع ) التي يصورها الشاعر سواء في المعارك التي اشترك فيها أو التي كان يشاهدها ، فجاءت صوره ممتلئة بتصور الممدوح وشخصه ومما يعزز فخر المتنبي بنفسه ، لذا اكتسبت اشعاره صفة القوة والعنف معززها بصور تشبيهية وحسية بإبداع يتخلله المديح فاكنت محور الدراسة حول صورة (شعب بَوَان) بتشكيلات متنوعة للصور البيانية . جاء البحث على ملخص وتمهيد ، ثم مبحثين يتضمّن : كل منهم على تحديد مفهوم (الصورة لغةٌ واصطلاحاً) ليحدد التصور الذي ابتكره الباحث اثناء التحليل ، وخُصّ المبحث (الصورة الشعرية على وفق المعيار البلاغي) من نواحي الصور التشبيهية و الصور الاستعارة والكناية ، وخص المبحث الثاني دراسة (الصور الشعرية من حيث المعيار النقدي) بالتضاد الصوري الذي يكون (الصور الجزئية والكلية ) و(الصور البسيطة والمفردة) و(الصور الثابتة والمتحركة) و (الصور الحسية و المعنوية) فجاء البحث على المستويين : النقدي والبلاغي ، ليكشف عن جمالية التشكيل الصوري بإبراز دراسة تحليلية من النواحي البلاغية والنقدية في قصيدة المتنبي التي يصف فيها شعب بوان واستنباط الدلالات التي تمحضت عنها .
الكلمات المفتاحية:الصورة ،نونية ، شعب بوان
|
|
|
Keywords:
Shaʿb Buwān
Poetic Image
Nouniya
|
|
|
Corresponding Author
Tariq Hussein Ali Al Nuaimi
|
|
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i2.a5 ,©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
|
| |
|
|
|
|
|
The Artistic Photo in Nouniya Al-Mutanabbi
Al Nuaimi, T. H. A.
Abstract
The poetic image is formed through the interaction between the poet and the reader, where ideas and senses unite, leading to a convergence of visions that reflect the poet's ability to shape and express these images using various rhetorical devices based on aesthetic forms of visual contrast. These images are linguistic relationships shaped by the poet’s personal vision according to the demands of the situation, portrayed through his vivid imagination and sensory perception. Thus, he constructs imaginative mental images that evoke the qualities and bravery of the subject being praised. In Al-Mutanabbi’s poem that describes Shaʿb Buwān, poetic imagery is clearly manifested through a passionate introduction and vivid depictions of warfare, including scenes and vocabulary related to battles, such as weapons (swords, spears, horses, and shields). The poet portrays these either from battles he participated in or ones he witnessed, resulting in imagery filled with representations of the subject and his persona—reinforcing Al-Mutanabbi’s own pride in himself. Therefore, his poetry acquires characteristics of power and intensity, supported by similes and sensory imagery, enriched with artistic praise. The focus of this study is the image of Shaʿb Buwān, explored through various rhetorical forms. The research comprises an abstract, an introduction, and two main sections. Each section begins with defining the concept of "image" both linguistically and terminologically, setting the analytical framework developed by the researcher. The first section is dedicated to studying the poetic image according to the rhetorical criterion, particularly similes, metaphors, and metonymy. The second section addresses the poetic image from the perspective of the critical criterion, focusing on visual contrast in terms of: partial and holistic images, simple and single images, static and dynamic images, sensory and abstract images.The research thus adopts both critical and rhetorical levels of analysis to reveal the aesthetic aspects of poetic image construction, through a detailed rhetorical and critical analytical study of Al-Mutanabbi’s poem describing Shaʿb Buwān, and to extract the underlying meanings and implications embedded within it.
مقدمة البحث
الصورة الشعرية
يعد مصطلح الصورة الشعرية دلالة لما له صلة بالتعبير الحسي الذي يظهر جمالية الواقع الذي يعمد الشاعر على إدراكه برؤيته معبراً عنه بلغته ، فيبث الحياة في تلك الصور بحركة الأشياء ورسم شخوصها ، فكانت صورة المتنبي بوصف الشعب جوهر الشعر وادواته للتعبير عن ما يدور في خلجات نفسه ، فيطلع خياله الخصب في التعبير عنها. و"الصورة رسم قوامه الكلمات المشحونة المليئة بالإحساس والعاطفة" (1) . فأصبحت شعرية الصور إطاراً لفهم خيال الشاعر لذلك تُعدّ الصورة الشعرية الجوهر واساس لفن الشعر. (2) . وبهذا تتألف الصور من لوحات مليئة بكلمات تقدّم ما يحمله الشاعر من احساس ، وإيحاء . (3) . فتتمثل الصور " كونها أداة فنية تستوعب الشكل والمضمون بما تحويه من وشائج ومميزات" (4). تعكس الصورة احساس الشاعر بمزج الفكرة التي يريد التعبير عنها ، والعاطفة التي تعمل على إضافة جديدة إلى الواقع(5). لذا تؤثر الصورة نفسياً بين التفاعل الفني وبين الفكرة والرؤية الحسية بجودة الصوغ والسبك ، فتظهر الصورة لغة شعرية انفعالية صافية تبعد عن التجريد المباشر والخطاب المباشرة .(6) ، فيكون المبدأ الذي ينظم الصورة هو بالتوافق بين الموضوع والصورة الذي يضيء الطريق ويمهد للموضوع ويعمل على الكشف عن الصور ونموها وانتشارها في النص.(1).
وفلسفة الصورة الشعرية الجمالية تقوم على المعالجة الفنية التي تظهر مظاهر التغيير وما يكمن التعبير عنه بإظهار المعنى المجرد ، وتثير معنى آخر أو ما يسمى (معنى المعنى) ليظهره في النص.(7)، فالصورة أداة الخيال في مادته لتظهر فاعليته الشعرية. (8) .
أمّا عن قصة قصيدة “مغاني الشعب طيبا في المغاني” فيروى أن أبا الطيب المتنبي حينما قرر أن يترك ابن العميد، ويخرج قاصدًا شيراز، أتاه كتاب من الملك البويهي عضد الدولة، وكان مما ذكر في هذا الكتاب، أنه يريد منه أن يزوره، وكان ذلك في العام الذي وصل فيه المتنبي إلى بلاد فارس، فبعث له أبو الطيب المتنبي بأنه يتشرف بزيارته، وتوجه إلى شيراز، ونزل ضيفًا عند الملك، وبينما هو عنده كتب فيه ثمان قصائد في مناسبات مختلفة، وكانت واحدة منها بمناسبة وفاة عمة عضد الدولة. ولكن أروع ما قال أبو الطيب المتنبي في الملك قصيدة ابتدأها بالتغزل في جمال الطبيعة في بلاد الفرس، وذكر بعدها انسجامه مع هذا الجمال والأجواء، وذكر فيها أيضًا(موضع التنوين) معاناته مع الغربة والبعد عن وطنه، ومدح فيها عضد الدولة وابنائه، والغريب أن هذه القصيدة لم يكتبها المتنبي عشقاً خالصاً لأرض بوان، أو أنه ارسلها كبوح يعلن حالته لحظتها وما يخالجه من مشاعر الوحشة والاغتراب، إنها مجرد مدخل قصيدة مديح لأمير هو ليس في منزلة سيف الدولة الحمداني الذي كان أعلى سماء أحبها ابو الطيب وتغنى بها وأجاد في وصفها نسي الناس اسم الممدوح وغابت القصيدة عن حافظة عشاق الشعر، بقي مجرد بعضها الذي هو لوحة فنية مميزة مرسومة بأبيات شعرية، تحكي معنى الفردوس)ارض بوان) الأرض التي تشبه ملاعب الجن في اتساعها وسكونها لو سار فيها النبي سليمان عليه السلام الذي يعرف جميع اللغات حتى لغة الطير، فإنه سيحتاج فيها إلى ترجمان. وانها قطعة من الفردوس، في بلاد اعتنت كثيراً بالجمال والخيال ورسمته في فنونها وتراثها وآدابها وحضارتها، فكانت أرض فارس جنة الحالمين بالعشق والفن والملذات والسحر. وهذا الفردوس الذي هو هنا شعب بوان، ليس سوى واد أخضر، حظه من كتب الرحالة ومعاجم البلدان ، يقول: جنات الدنيا أربع: صفد سمرقند ، وغوطة دمشق ، وشعب بوان ، ونهر الأبله .(9). واضافت عليه بعض كتب التراث شارحة جماله: إنه أحد متنزهات الدنيا المعروفة بالحسن والطيب وكثرة الاشجار ، وتدفق المياه وأنواع الأطيار، وجاء في «آثار البلاد وأخبار العباد». كان سيظل كذلك، مجرد في الكتب القديمة، ذكره عند أهل البلد الواقع فيه وفي عيون الزوار الذين قد يجذبهم الحظ نحوه. المتنبي حول السطر الصغير إلى صفحات، وحمل شعب بوان من حدود فارس إلى كل بلدان العالم، أوصل رسول الشعر صيته إلى مصر والشام وبغداد، وغربا نحو المغرب والأندلس، خلده في كل البقاع وكل الأزمنة، وحوّله إلى أغنية، ترددها ألسنة شتى في مختلف الحالات: عندما تختلط لواعج الشوق ومشاعر الحنين، أو في الاحساس بالغربة في مفرداتها المختلفة من غربة النفس إلى غربة المكان أو لحظة غضب عربية، أو حالة وله إلى موسم الربيع، عند حالات الوصف والاعجاب يردد :
قائلًا :
مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمانِ
(15)
المبحث الأول : الصورة الشعرية البلاغية وفق المعيار القديم :
أ-الصورة التشبيهية :
عرف السكاكي (ت626هـ) التشبيه بقوله : "أن التشبيه مُستدع طرفين: احدهما مشبهاً وآخر مشبهاً به ، واشتركا بينها في وجه وافترقا من آخر"(10) ، كذلك يعرف القزويني (ت739هـ) التشبيه بقوله : "دلالة على مشاركة امر ما لأمر في معنى من المعاني ، ما لم تكن مشاركته على وجوه الاستعارة الحقيقية او المكنية" (10) . ويعتمد التشبيه على مشاركة امر لإمر عن طريق أداة التشبيه الدلالة على مشاركة في المعنى بأدوات التشبيه المضمرة أو الظاهرة(11) ، وتلعب حاسة البصر دون غيرها من الحواس دور متميز في صياغة أنواع التشبيه وتنقشه بألوان مختلفة تظهر جماله(12).
والبلاغة تظهر روعة التشبيه وجماله بإبراز تأثيره في النفس فتخرج الخفي إلى الجلي وتعيد البعيد إلى القريب ، وتزيد المعاني رفعةً ووضوحاً ويكسوها شرفاً ونبلاً ، ويكسبها رونقا وجمالا . والتشبيه فن واسع النطاق ، ممتد الحواشي ، فسيح الخطو، متشعب الاطراف ، متنوع المسلك ،غامض المدرك رقيق المحتوى غزير الجدوى(13) وأن شاعرنا بثروته اللغوية ، وبمحتواه للفظ الكبير ،وبلاغته البارعة استطاع أن يوظف التشبيه مستخدما الألوان والصور والمناظر الطبيعية الخلابة في قصائده وطرق ابواب التشبيه جميعها.
يصف في مطلع القصيدة، إن هذا المكان منزلته بين بقية الاماكن كالربيع على سائر المواسم في طيبه وجماله، لكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان ملاعب جنّة ، وهذه الارض التي تشبه ملاعب الجن وإن سليمان لو سار فيها لسار بترجمان ، وإن منظر الفتى العربي الذي يتمثل في شخصه هنا، أنه غريب في هؤلاء فهو اسمر الوجه بين قوم شقر، لسانه مختلف كذلك فهو عربي بين عجم لا يعرف ما يقولون ولا هم يعرفون له، حتى شكل سلاحه مختلف عنهم، وان الايام قد سارت وتبدلت وتلونت، وكذلك المشارب والاذواق تغيرت، وتغير معها رسم المكان وملامحه. بقيت صورة شعب بوان بروح كلمات المتنبي في قلوب الناس .
صور التشبيه المفرد :
يُقتصر التشبيه على نوع من الصور التي تخلو من زيادة في تعدد الصور فتكون صورة بصورة واحدة فقد اوضح العلوي هذا التشبيه بقوله إن التشبيه ما كان فيه قائما على تشبيه صورة بصورة من دون زيادة ، أو تعدد صور للمعنى(14) .
ومن صور التشكيل المفرد ما قاله الشاعر في البيتين الثاني والثالث لإظهار الصور التشبيهية :
وَلَكِنَّ الفـــــــــَتى العَرَبِيَّ فيها غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ
مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سارَ فيها سُلَيـــــــــــمانٌ لَــــــسارَ بِتَرجُمانَ
(15)
يقوم التشبيه المفرد على تشبيه الصورة المفردة بتشبيه المرسل فهو مفصل (لأربعه اركان التشبيه منها : المشبه به ، والمشبه ، ووجه الشبه، وأدوات التشبيه) لإظهار الصورة التشبيهية ، فنجد الشاعر شبه الفتى العربي بالغربة ، فهو في هذين البيتين نجده يرى فيه الغربة من حيث الوجه واللسان ، فهو أسمر البشرة غريب الوجه لان الفتى العربي غالب لون السمرة على طبعه وشكله ، واما شعب بوان فهم شقره الوجوه فقد كان التشبيه نوعين الأول الغربة والثاني غريبه اليد لأنه لا يملك شيء في هذه البقاع ، فاستعمل التشبيه المفرد للفتى العربي كونه لا يجيد لغة هذا الشعب ولا شكله مألوف لديهم ، والتشبيه الثاني أن أسلحه الفتى العربي هي سلاح الرمح والسيف الذي يستخدمه في القتال وسلاح الشعب هي الرايات والمزاريق ، فنجده وظف التشبيه المفرد ليظهر لنا مدى الفارق بين الفتى العربي والفتى في شعب بوان ، لذا كانت الصورة المفردة في قمه الروعة والجمال موضحاً الفرق فيما بينهم ، ثم انتقل في البيت الثالث إلى أن التشبيه في جمال الطبيعة فوظف الصورة الشعرية الرائعة ،فطبيعة هذه الارض وجمالها بما تحويه من مناظر خلابة وما يمتلكه شعبها من طيب وطرب مشبها اياها بملاعب الجنة ، فهي جنه لذلك الشعب على عكس جنه الفتى العربي الذي يراها في تحقيق النصر على اعدائه ، فالمتنبي شاعر وظف صوره المفردة توظيف رائع بما يمتلكه من خبره وصوره فنية جمالية يظهر فيه جمال التشبيه ، لأنه يرى هذه الجنة مختلفة بين الصورتين ، فانتقل إلى توظيف الأسطورة والتوظيف الديني فذكر نبي الله سليمان () الذي يتكلم مختلف اللغات ويتفاهم مع مختلف الكائنات ، فهو العالم بلغه الجن وغيرها ، فهو لو عاش في هذه البلاد لاحتاج إلى ترجمان لان لغة البلاد مختلفة لا يستطيع توظيفها او فهمها ، فالشاعر هنا وظف الصورة التشبيهية المفردة ليحقق لنا جمال الصورة الشعرية .
تبدو الصورة الشعرية المشكلة لإبراز التشبيه المفرد في قول الشاعر في البيتين الرابع والخامس إذ يقول:
طَبَت فُرسانَنا وَالخَيلَ حَتّى خَشيتُ وَإِن كَرُمنَ مِنَ الحِرانِ
غَدَونا تَنفُضُ الأَغصانُ فيها عَلــــــى أَعرافِـــــــها مِثلَ الجُمانِ
(15)
في هذه الصورة التشبيهية المفردة الرائعة نجد أنّ المتنبي يوظف جمال التشبيه فيقول أن الخيل اعجبت بجمال الطبيعة فانقادت لها وسحرتها ، كما يطلب الانسان ويسحر بجمال الطبيعة ، بعد أن أصبحت حران أي أن الخيل أحرنت في مكانها لا تريد ان تغادره لما رات به من جمال سحر نفسها وعجبها ، كما يعجب الانسان بسحر الطبيعة وجمالها ، فان كانت الخيل العربية كريمة لا تميل لهذه الصفات أو تعزوا لجمال الطبيعة ، فقد اصابها هذا الداء (أي الوقوف في مكانها وعدم الانقياد لصاحبها) لننتقل إلى تشبيه آخر يوظف فيه جمال الصورة التشبيهية المفردة ، فيوظف صورة الأغصان وهي متدليه من الأشجار مشبها إياها بشعر رقبة الخيل (اي ناصية الفرس) ، فذكر الجمان وهي (الأحجار الكريمة المتلألئة ) مشبها إياها باللؤلؤ ، فهنا كانت قطرات المطر أو الندى التي تنزل من الاغصان على الخيل وفارسها كأنها حبات لؤلؤ أو جمان تنتفض فيكون بريقها على ضوء الشمس، فالندى هنا تشبيه لصور الجمال وهو ينحل من الأغصان على الشاعر، إذ كان الشاعر يسير ببطء وهذه القطرات تنزل على الخيول كأنها اللؤلؤ، وهنا ظهر جمال التشبيه وصورة الشمس عند طلوعها عليه فضوء الشمس يدخل بين هذه الجنان أو هذه الجمان بين قوسين (صوره اللؤلؤ) فيتخللها وهنا تكمن جمال الصورة في التشبيه المفرد ، فقد وظفها الشاعر بما يمتلكه من خبره جمالية وقوه ابداعيه في توظيف الالفاظ ، فالشاعر يحاكي جمال الطبيعة بحدود فاصله يحقق شعرية وانزياح بين تلك الصور فهو يحول اللامعقول إلى المعقول بما جسدته شاعريته في تصوير جمالية الصورة فقد شد الانتباه المتلقي بطريقة حسسته أن الخطاب موجه اليه فقد وظف الصورة بجمالية وبدقة رائعة بحيث يعيش المتلقي الحالة نفسها فقد ذكر الباقلاني هذا الوصف بقوله : " ان الشعراء شبهوا الخط والنطق بالتصوير وقد اجمعوا ان من احذق المصورين من صور لك الباكي المتضاحك ، والباكي الحزين ، والضاحك المتباكي ، والضاحك المستبشر ، وكما انه يحتاج إلى لطف في اللسان والطبع في تصوير ما في النفس الغير"(16) . لذا نجد صور المتنبي معتمده على التخييل بما يملكه من فكر والفاظ ينتقل من صور خياليه إلى صور واقعية تجسدها جمال الطبيعة ، لذا نجده يحول المتخيل إلى متلقي كانه يعيش صوره شعرية واقعية .
ومن الصور الشعرية التي برزت في اظهار جمالية التشبيه المفرد في قول الشاعر:
لَها ثَمَرٌ تُشيرُ إِلَيكَ مِنهُ بِأَشرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أَواني
(15)
مثل المتنبي التشبيه المفرد بالتشبيه المرسل المجمل الذي يذكر اركان التشبيه منوها إلى وجه الشبه ، فقد عبر الشاعر بذكر ثمار الاغصان فصورة التشبيه المفرد كانت في تمثيل ثمار لتلك الأغصان ، فهي رقيقة القشر مشبها إياها بالأشربة الشفافة التي يرى من خلالها صورة ما بداخلها اي صورة ما يحويه داخل (الاناء الزجاجي الشفاف) ، فماؤها يرى من خلالها كما يرى ما بداخل هذه الثمرة لأن قشرتها رقيقة، فهذه الثمار كأنها اشربة قائمة بنفسها خاليه من الأوعية التي تحتويها، فالمتنبي وظفها ليحقق جمالية صورة بصرية تدل على الرؤية الصادقة ، فرؤيته رؤية بصرية وليست رؤية قلبية ، فذكر الشاعر مفردات الطبيعة الحية وهي الثمار التي ترى بالعين ، كما يرى الماء في الأوعية الزجاجية وهذا تشبيه يدل على قوة شاعريته ، وما يمتلكه من خبره بتوظيف الالفاظ ليحقق جمالية الصورة فيما يقصده ، ليشد انتباه المتلقي إليه وهنا تكمن جمالية التشبيه للمتلقي وكانه يرى الصورة متقاربة بين هذين الشكلين .
ب - صورة التشبيه المركب :
يقوم التشبيه على تداخل الصور ، فتختلط وتتركب في بعضها الصور وأنه تشبيه اختلطت فيه الصور وجزيئيات الأمور ليتكون طرفا التشبيه منها ، فيتحد أركان التشبيه وتتحول إلى صيغ متداخلة مركبة لا يجوز الفصل بين تركيبات اجزائها(17) . لذا فقد عرفه العلوي (ت749هـ) بقوله : "ما كان التشبيه تشبيهاً بأمرين متباينين او بأكثر من ذلك "(14).
ومن الصور التشبيه المركبة قول الشاعر في البيتين :
لَقَد عَلَّمتُ نَفسي القَولَ فيهِم كَتَعليمِ الطَرادِ بِلا سِنان
كَأَنَّ دَمَ الجَماجِمِ في العَناصي كَسا البُلدانَ ريشَ الحَيقُطانِ
(15)
نجد الشاعر يشبه نفسه بالمتعلم في صورة من صور التشبيه الاخرى ، فهو يتعلم شيء من اجل شيء اخر ، يتعلم الشعر ليتمكن من مدحه كما يتعلم الرامي المتدرب إلى الطعان بغير رمح كي لا يصاب اثناء التدريب ، فالشاعر يشبه نفسه بتعليم القول ليحسن مدح عضد الدولة ، كما يتعلم الفرسان عن طريق التدريب بغير سنان ( السنان هي نصل الرمح) وهنا تشبيه مركب يوظفه الشاعر ليصل إلى غرضه وهو المديح وأن يكون القصد من هذا المديح والتعلم أن يتقنه كي يمدح به الخليفة وأنه كان في الناس يقول شعراً ليصل إلى مدحه، فقد اتقن هذا المديح ولا يستطيع أحد الوصول اليه غيره، فهو يقول الشعر قبله متدرجاً حتى اصبح شعره ناضجاً ، فذكره في مدائح الخليفة.
ثم ينتقل الشاعر البيت إلى ذكر عضد الدولة وعزها ، فيقول أن عضد الدولة كان السد المنيع لها وأن دولته اصبحت منيعة به ، فهو عزها فكانت تدافع عنه عن نفسها بهذا العز، ويد عضد الدولة تدافع عنهم وعن نفسها كل الاذى ، فقد ذكر الضمير (التاء) امتنعت العائد إلى يده والمقصود هنا عضد الدولة والتشبيه ، هنا جاء محقق الغرض وأن الدولة لا يمكن ان تقوم بغير عرضها ، فهو الحامي والمدافع عنها مشبها إياه بالسد المنيع والحامي لها والساند لها من كل الغزوات والحروب وأنها لا تقوم لها قائمه الا بوجوده.
1- صور الاستعارة :
تظهر جمالية الاستعارة في انتقال اللفظ من موضعه بتوفر القرينة ، فقد عرف ابن الاثير الاستعارة (ت637هـ) بقوله :" نقل المعنى من لفظ إلى لفظ آخر للمشاركة فيما بينهما مع طي ذكر المنقول إليه"(18) ، فتعمل الاستعارة على استعمال اللفظ في غير ما وضع له لبيان علاقة التشبيه بين المعنيين المنقول عنه والمنقول اليه مع قرينة تصرف عن إرادة المعنى الأصلي (19).
والاستعارة هي مجاز لغوي . إذ أن المجاز اللغوي أعم واشمل من الاستعارة فكل استعارة هي مجاز ولا يكون كل مجاز هو استعارة (20) ، وتعمل الاستعارة على ذكر أحد أطراف التشبيه وإيراد الطرف الآخر لإثبات ان للمشبه صفت تخص المشبه به(10). وتظفي استعارة الالفاظ إلى الشاعر جمالية فنيه ، لا نها تلامس في اللغة شعريه المتكلم لما لها من تأثير على المتلقي وبذلك تعمل على اثاره ذهن المتلقي في الصور التي تبثها في الاشعار فهي مجرد تصوير حسي مثير لمخيله المتلقي والاستعارة ببعدها الدلالي تنشا من معرفه التشابه بين المتباينين وهذا التشابه يشبع الحنين الانساني إلى الترابط بين المستعار منه والمستعار له وعلى هذا تكون الاستعارة التصريحية :هي الصلة الروحية الساعية إلى التوحد في مخيله الانسان لما تعبر عنه برغبه عميقه يصل فيها إلى العقل الانساني ليعيش ويكتشف النظام الخارجي (21). والمتنبي شاعر يوظف الاستعارة, فيعمل على تحويل المجرد إلى محسوس ملموس بحيث يجعل المتلقي يصل إلى التماثل الروحي مع الشاعر " ترى فيها صورة الجماد صورة حي ناطقة والاعجم فصيح والاجسام الخرسة مبينه وخفية المعاني باديةً جليةً، فاذا نظرت إلى الصورة وجدتها ناصعة لا رونقاً لها إلا إذا زينتها . وصور الاستعارات والتشبيهات في جملها غير المعجمة وإن شئت أردت المعاني الخفية اللطيفة التي من خبايا صور عقلية كأنها تجسدت لتبصرها العيون وان شاءت تلطفت الاوصاف الروحية الجسمانية لتعود لها روحانيته التي لا تدركها الا الشكوك(22) ، وهنا الاستعارة في تقريبها للبعيد وتصويرها للجماد بصوره الحي الناطق تجعل المتلقي يشعر بحضور في كل ما يعبر عنه الخطاب الشعري ، مما يشعر المتلقي بأنه اعاد الحياه إلى الجماد وهذه الحياة لا يدركها الا الفكر ، فقد شهد للمتنبي التميز والتفرد في شعره لذا يستخدم الاستعارة ليقرب المعنى إلى المتلقي ، فهو لم يخطئ يوماً في انتقاء الفاظه وكأنها الفاظ خلقت له يجعلها مترابطة متلازمه احداها بالأخر فيصبح المتلقي يعيش الحالة بتفاعله ، لذا قسم البلاغيون الاستعارة إلى : تصريحية ، واستعارته مكنية.
أ-صور الاستعارة المكنية :
الاستعارة " يحتفظ فيها لفظ المشبه به ، وتكتفى بذكر لازمة من لوازمه لتدل عليه" (32) وهي" أبلغ وأكثر تأثيرا وادق تفصيلا وأجمل في تصويرها من التشبيه ، لأن العمل الإبداعي للصورة يكون أدق وأكثر اثارة في الاستعارة " (19) .
وتظهر صورة الاستعارة المكنية بقول الشاعر في الابيات السابع والثامن :
وَأَلقى الشَرقُ مِنها في ثِيابي دَنانيراً تَفِرُّ مِنَ البَنانِ
لَها ثَمَرٌ تُشيرُ إِلَيكَ مِنهُ بِأَشرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أَواني
(15)
يقدم الشاعر الاستعارة بتشبيه الالقاء للشرق والالقاء هو من طرق الانسان ولازمه من لوازمه ،فحذف مشبه به وابقى اللوازم منه وهو طريقة الالقاء واشاره إلى الثياب والغريب في الصورة ان الشاعر ذكر البنان وهي أطراف الأصابع وهي جزء من الانسان وذكر لازمة من لوازمه وهي الفرار ، فبذلك يكون الشاعر قد استعار لضوء الشمس عندما يدخل في تلك الاغصان والأشجار كأنه دنانير دائرية فضوء الشمس عندما يتخلل الاشجار يتخللها بصورة دوائر يعمد إلى اثاره الذهن والشاعر يذكر الدنانير لأنها مستديرة ، تشبه الضوء عندما يتخلل بين الاغصان ، فهي لا تمسك باليد فهي تفر من الانسان عند طلوع الشمس تختفي كذلك الشرق الذي هو لازمة من لوازم الشمس يختفي عند الغروب فالاستعارة عمدت هنا للإشارة إلى تلطيف المعنى وتقويته في نفس السامع لتظهر جمالية الاستعارة نزعة حب المال في ذات الشاعر والمرتجى أخذه من الممدوح ، فيكون الجانب الخفي من الاستعارة إبراز ذلك الجانب ، وتظهر الاستعارة المكنية بتشكيل معاني يسعى الشاعر اليها مما يشبه الثمار بالأواني ، فهذه الثمار هي رقيقة يرى لبها من القشر ، كما يرى الماء في الاناء الزجاجي ، فقد استعار لفظ الأشربة للثمر مصرحا بها على وقوف هذه الثمار او تعليقها على بين الاغصان ليرى ما بداخلها من لب ، كما يرى ما بداخل الاواني من ماء ، فرؤيه الشاعر تصنع جماليات للبيت ، فقد جمع بين الثمار والاواني التي هي من لوازم الانسان فاستعارها للثمار ليزيد جمالية المعنى ، فيقنع المتلقي بأنها قريبة مصورا تلك الروح للجماد خدمة لدلالة المعنى المراد الوصول اليه .
من نماذج الصورة الاستعارية المكنية قول الشاعر في البيتين الحادي عشر والثاني عشر:
مَنازِلُ لَم يَزَل مِنها خَيالٌ يُشَيِّعُني إلى النِوبَنذَجانِ
إِذا غَنّى الحَمامُ الوُرقُ فيها أَجابَتهُ أَغـــــــانِيُّ القِــيانِ
(15)
في هذه الأبيات نجد الشاعر استعاره الخيال الذي هو من لوازم الأنسان وهو تابعة له فوظفها للجماد وهي المنازل ، فقد ذكر ذلك الشاعر بتوظيفه لكلمة (النوبنذجان ) . ويستمر الشاعر في ذكر الاستعارة اذ يذكر التشييع وهو (الخيال) للإنسان وصفه من صفاته ناسبها إلى المكان وهو الجماد ليعيد إلى الأذهان صورة دمشق وجمالها ، فاستعارة الالفاظ ووظفها ليعود بالمتلقي إلى جمال طبيعة دمشق أو ربما هنا اشاره إلى مكان محبوبه فخياله يتوجه إلى ذلك المحبوب وهو الممدوح المقصود هنا عضد الدولة. واستعار في البيت الثاني لفظه (الغنى للحمام) وهي صفة من صفات الانسان ، فالحمام لا يغني انما يغرد فالشاعر ذكر الغناء مستعيراً اياه إلى الحمام ودليل ذلك ما ذكره في الشطر الثاني من إجابة أغاني القيان، فيقول أصوات الحمام والقيان تشابه بعضها البعض ولكن الحمام ينوح ويرقص طربا ، كذلك الانسان يحن ويشتاق إلى مكان محبوبه ، وهذه الديار لجمال طبيعتها وحسنها ومناظرها الخلابة جعلت الشاعر يعيش في خياله ويحن إلى موطنه الاول وهو دمشق ، كذلك برزت شاعريه المتنبي في توظيف الاستعارة ليحقق ما يحس به ويشاركه المتلقي في ذلك الاحساس وجمالية الاستعارة تكمن في توظيف صور حية للجمادات وفي شد وشحن ذهن المتلقي.
ب-صور الاستعارة التصريحية :
تظهر الاستعارة التي صرح فيها " بأن يكون الطرف المذكور من طرف التشبيه هو المشبه به " (10) ، وهي تصريح بحذف فيها المشبه المستعار له ويصرح بالمشبه به المستعار منه"(24) . ومن صور الاستعارية التصريحية ما جاء من قول الشاعر في البيت الثاني والثلاثين :
وَما تَرقى لُهاهُ مِن نَداهُ وَلا المالُ الكَريمُ مِنَ الهَوانِ
(15)
صرح الشاعر بأن الرقي خاص بالصوص ، فقد كان يحمي أموال التجار بالرقي، كما كان سيفه قاطعا لتلك الافاعي حاميا لتلك الاموال ، لذلك ذكر الرقي واستعار الالفاظ للهبة اي (العطية) والهبات ، فاستعارها للأموال؛ لأن أمواله كانت تصل إلى الناس بسهوله ، فهو يهبها وكانت هذه الاموال لا تنفض فهي مصانة مهابة ، فبجوده وكرمه كان تصل للناس ، فصرح بالمال الكريم من الهوان والهوان هو صفة للإنسان الضعيف ، فهو لم يكن ضعيفاً بل كان سيدا لقومه والمقصود هنا الممدوح (عضد الدولة) ، فقد كان يحمي أموال التجار فهي مرئية للناس فلا يستطيع اللصوص الوصول اليها خوفا منه ومن سيفه كذلك أمواله تصل للناس لكن الفارق بينهما ان الاموال تصلهم هبة وكرماً واللصوص يسرقون أموال التجار خفية فسلط سيفه على جماعة اللصوص تلك فقطعها كما تقطع رؤوس الافاعي ، لذا نجد الشاعر يصرح ويستعير الألفاظ ليشارك المتلقي خياله ، فالمتنبي استعار الألفاظ ليخلق علاقات مجازية تصل المعنى إلى المتلقي بعنصر المفاجأة فتنتج اثراً جمالياً لذلك الاتصال.
2-جمالية المظاهر الكنائية في الصورة :
تظهر جماليات الصور الكنائية في اثبات ما يريد المتكلم من معنى من المعاني ، فيتجنب ذكره باللفظ المستخدم له لغة فيجيء للمعنى بلفظ هو تاليه ورديفاً له في الوجود ، فيشير إليه مصرحاً به ويذكره كدليل عليه (25 ).
فالكناية ليست كالاستعارة يحدث الاستبدال فيها ، وإنما تعتمد على مجاورة تنضيد الأشياء وتركيبها في سلسلة متواصلة لأداء المعنى ، على عكس الاستعارة إذ تعتمد على اعادة الاشياء وترتيبها وتنظمها ودقة ترتيبها وانتقاء ألفاظها (26).
أ-الكناية عن صفة :
تظهر الصور الكنائية عن الصفات في الاشعار عندما يلجأ الشاعر إلى " ذكر الموصوف وإخفاء الصفات مع أنها المرادة والمقصودة ، فيكون الموصوف هو الملتزم الذي تلزم عنه الصفة أو تلازمه ، ومنه تنتقل إليها"(27).
ومن نماذج اظهار تشكيلات الصور الكنائية قول الشاعر عن الصفات :
أَبوكُم آدَمٌ سَنَّ المَعـــــــاصــــــــــــي وَعَلَّمَكُـــــــــــــم مُفارَقَةَ الجِنانِ(15)
في هذا البيت إشارة إلى الكناية عن صفة وهي أصل الخلق والعصيان ، فنبي الله أدم عليه السلام عصى الله وأكل من ثمر الشجرة ، فكنى عن صفة الخلق ، فالمتنبي ذكر أن هذه البلاد مهما كان فيها من جنان وطيب فهي لا تمثل شيء بدون عضد دولة فهو الطيب وهذا المكان يطيب بوجوده.
وتتجسد الصورة الكنائية للصفات بقول الشاعر:
فَباتَت فَوقَهُنَّ بِلا صِحابٍ تَصيحُ بِمَن يَمُرُّ أَما تَراني(15)
في هذا البيت كنايه عن صفه وهي الأمان المتنبي وصف الأمان في هذه الديار ، فيرى أن بضائع التجار كان ظاهرة للعيان ولا يجرء إليها اللصوص والمحتالين خوفا من سطوته ، فهو يحمي تلك الديار وسيفه فوق رقاب المعتدين ، فلا يجرؤ أحد أن يمد يده عليها أو يتجسر لها ، فهيبته حارس لها وكأن البضائع متروكة في العيان يراها القاصي والداني فهي محروسة بعضد الدولة ورجاله ، فالكناية هنا عن صفه وهي صفه الكرم وشجاعة عضد الدولة.
ب – صور الكناية عن موصوف :
تظهر صور الكناية " هو ذكر في الكلام صفة ، أو صفات عديدة تكون مشتركة بظاهر الصفات لموصوف معين ،فيكون القصد من ذكرها دلالة على الموصوف" (17) .
تتجسد الصورة الكنائية للموصوف كما في قول المتنبي في البيت :
تُذِمُّ عَلى اللُصوصِ لِكُلِّ تَجرٍ وَتَضمَنُ لِلصَوارِمِ كُلَّ جاني(15)
في هذا البيت كناية عن الموصوف وهي السيوف والمقصود هنا سيف (عضد الدولة) ، فهذه البلاد أمنة، فهي تجير كل الناس وكل التجار فلا يخافون اللصوص وقطاع الطرق ، فهم لا يستطيعون الاعتداء عليها هيبةً وخوفاً من عضد الدولة وسيفه ، فالكناية هنا عن موصوف هو (السيف ) والممدوح هنا عضد الدولة فسيوفه تضمن الامان للتجار والبضائع فهي قاطعة بتارة لرقاب الصوص ، فرقابهم لا تنجو من سطوة سيفه فالشاعر وظفها دلالة على ان البلاد امنة ومحمية وسيف عضد الدولة هو الحامي لها والمشار اليه في البيت .
ومن شواهد صور الكنائية عن الموصوف ما جاء في قول المتنبي :
بِضَربٍ هاجَ أَطرابَ المَنايا سِوى ضَربِ المَثالِثِ وَالمَثاني
(15)
في البيت كناية عن موصوف وهو (السيف) والمتعلق بقوله ضرب الاطراب والمثالث والمثاني هي أوتاد عمود البيت وهما الوتد الثاني والثالث ، فسيف عضد الدولة هو الذي يحمي تلك الديار وضربه قاطع بتار ، وانما اختلف بين الضرب على العود في تلك الديار ومغانيها وطيبها الذي من شأنه أن يهيج العاشق ويزيد الشوق والحنين ، وضرب سيف عضد الدولة كان قاطع للرقاب ، فالكناية هنا هي سيف عضد الدولة ، مشبها إياه بالوتد الذي يقف عليه عمود البيت ، فسيف عضد الدولة هو الوتد الذي تقف عليه بلاد فارس فوجوده هو الامن والأمان لها.
المبحث الثاني : الصورة وفق المعيار النقدي الحديث
1-الصور الثابتة - الصور الحركية :
تكون الصورة الشعرية الثابتة باعتمادها على عدم التغيير عكس الصورة المتحركة التي تتشكل في حركيتها على تطوير الحدث الشعري ، وإكتشاف عمق الافكار الخفية لأنها اكثر اهميةً واكتمالاً في بروزها لجماليات الصورة (28) ، فيتفنن الشاعر برسم جماليات الحركة في الصورة بإظهار ملامح رمزية تارة وصريحة تارة اخرى على الافعال ، فيتكئ الشاعر عليها ليسرع من تحريك ايقاعات الصور واظهارها لتكون الاداة الأولى العاملة الفاعلة في صناعة الحدث وتحريك الصورة الشعرية(29).
فجاءت الصورة الثابتة في قول المتنبي :
وَلَو كانَت دِمَشقَ ثَنى عِناني لَبيقُ الثُردِ صينِيُّ الجِفانِ
يَلَنجوجِيُّ ما رُفِعَت لِضَيفٍ بِهِ النيرانُ نَـــــــــــدِّيُّ الدُخانِ
تَحِلُّ بِهِ عَلى قَلبٍ شُجاعٍ وَتَرحَلُ مِنهُ عَن قَلبٍ جَبانِ
(15)
قدم الشاعر صوراً شعرية ثابتة ليضاهيها ويقابلها بصور متحركة من حيث عقد مقارنه بين الأمكنة للدلالة على الفراق من حيث ذكر عهد الديار بعد رحيله عنها ، فالشاعر يذكر دمشق ويصرح باسمها ويذكر كرم اهلها اشارة منه إلى كرمهم فصوره التي رسمها الشاعر وما يحاول صاحبه أن يثنيه عن الرحيل وعقد المقارنة بين بلاد فارس أي بلاد المغاني وبلاد دمشق ، فذكر (الثريد ) وهو الخبز المفتت والمبلل بالمرق والجفان هي القصعة وصيني جفان أي الجفان المفتولة فلكرم أهل الشام أي دمشق طعمه الخاص الذي لا يضاهيه كرم يثنيه ، فمقارنة بين كرم طيب المغاني وكرم اهل دمشق بلاد العرب لنرى انه يقدم صوره لمحبوبه عضد الدولة فالمقارنة بينه وبين اهل شعب بوان وأن دمشق هي صوره ثابته للكرم ، ثم ينتقل إلى صورة الينجوج وهي صورة ثابتة أي تظهر صورة العود الذي يحترق (عود البخور) ، فيعطي عطراً طيباً اذا وضع على النار ليرسم لنا صوره ثابتة وهي ان ممدوح وهو يوقد النيران دلاله على الكرم وهي عاده العرب عند الضيافة لذلك ذكر (الينجوج ) ودخانه صورة شعرية ثابتة رسمها المتنبي دلالة على كرم الخليفة ، ثم يعقد مقارنة اخرى بين قلب الشجاع وقلب الجبان وما يحويه وما يعمل عليه هذا الطباق من رسم صور ثابتة ، فالكرم هو صورة شعرية للشجاعة ، والجبان لا يستطيع على هذا الكرم يمنعه خوفه من البخل كذلك يقدم لنا صور لممدوحه (عضد الدولة) وهو سائراً لا يثنيه خوف من فقر ولا من ضيق ، فالصورة في هذه الابيات صوره ثابتة عقدها الشاعر مقارنا بين كرم العرب وكرم الفرس الذي لا يوجد منه شيء .
ومن أمثلة الصورة الحركية قول الشاعر:
مَنازِلُ لَم يَزَل مِنــــها خَيالٌ يُشَيِّعُـــــــــــني إلى النِوبَنذَجانِ
إِذا غَنّى الحَمامُ الوُرقُ فيها أَجـــــــــابَتهُ أَغـــــــــــانِيُّ القِيانِ
وَمَن بِـالـشِعبِ أَحوَجُ مِن حَمامٍ إِذا غَنّى وَناحَ إلى البَيانِ
(15)
يعبر الشاعر عن صورة شعرية متحركة لذا نراه يرسم لنا حركة بين صورة النائم وصورة الهائم الذي يهيجه خيال محبوبه فيتبعه اينما يذهب ، فالشاعر لا يقوى على فراق دمشق وحب اهلها ، فهو يحلم بها ليل نهار كحلم فارس عاشق يروم وصال محبوبه ، لذا يذكر صور متحركة يرى خيال محبوبه وهو نائم لا يفارقه ، ثم ينتقل إلى صورة الحمام وهي صورة شعرية رائعة تمثل طائر الحمام وهو محلقا في السماء فروحه وجسمه في السماء وقلبه معلق في دمشق مشيراً إلى غناء الحمام في الصورة هنا بين غناء الحمام وغناء الغواني في بلاد الغوطة وهي الصورة المتحركة مرئيه للعيان والقيان هي الجارية التي يطرب لسماع صوتها كما يطرب العاشق لصوت الحمام ويهيج لنواحه وغنائه فالعرب يثيرها صوت الحمام والشعراء يثيرهم صوت الغواني كذلك الصورة تمثل لنا حركة بين شعب احوج للغناء وسماع صوت الحمام وشعب احوج للقتال وسمو المجد والعلا فالنواح مقارنة بين صورة شعرية هي صورة العرب والشعراء الذين يطربون لصوت الحمام مره بالنوح ومرة بالشجن وبلاد المغاني هي بلاد فارس التي يطرب بسماعها فالصورة متحركة مقارنة بين الاثنين عملت الحركة الدائرية والصورة المرئية على رسمها، فكل يشجيه شيء ويثيره شيء آخر ، فصورة الحمام ونواحه تثير الشاعر وتشد عزمه فخياله هو العامل المتحرك في رسم الصورة الشعرية وتحريكها .
2-الصور الجزئية - الصورة الكلية :
تسمى الصورة الجزئية بالصورة البسيطة (30) في حين تتكون الصورة الكلية من القدرات الإبداعية المتنوعة لدى الشاعر وما يمتلكه من خبرة وقدرة في صياغة الألفاظ وموهبة وخيال ليحقق مستوى عالي من الوعي الابداعي الفني ، فتكون من أعقد نماذج الصورة الشعرية بتركيبها ، فتقدم أنموذجاً عالي من التعقيد(31) بالوحدة العضوية للقصيدة ولا سيما وحدة الصور وتماسكها بمجموعة من الصور الأخرى(32) ، لذا تكون الالفاظ المتداخلة من العالم الخارجي وثقافة المبدع أو المتلقي معياراً تتشكل من خلاله الصور الذهنية للنص الشعري ، لان الصورة بناء تصوغة العاطفة وتصنعه الاحاسيس لتنبض بالنفس الحيوية وتصنع القدرة على التفاعل مع اسرار الطبيعة وجمالها ليرتقي بوجدان الشاعر إلى خيال فعال لرسم الصور بإتقان اساليب اللغة وطريقة الصياغة ليشكل صوره الجزئية أو الكلية بمساعدة ذلك التفاعل(33) .
والشاهد للدلالة لجمالية الصورة الجزئية كقول الشاعر في البيتين الخامس والسادس عشر :
وَقَد يَتَقارَبُ الوَصفانِ جِدّاً وَمَوصوفاهُما مُتَباعِدانِ
يَقولُ بِشِعبِ بَوّانٍ حِصاني أَعَن هَذا يُسارُ إلى الطِعانِ
(15)
يقدم الشاعر برسم صورة جزئية على شكل كلمات وجمل بسيطة يوضح صورة الشعب واقترانه بصيغة نواح الحمام بالشعب الذي يعيش في(منطقة بوان) وهي اعجمية ، كذلك نوح الحمام اعجم ولا يفهم فصاحته ، فالشاعر قرن الصورة بين الاثنين فهؤلاء غنائهم عجمي ، لا يفهم ونوح الحمام لا يفهم بل تشبيه له ، ثم ذكر دمشق وقرنها بغناء قيان دمشق فهو تفضيل لإهل دمشق على هذا الشعب ، فالعرب في حزنها وطربها تشبه صوت الحمام بالنوح ، لذا يكثر ذكره وتردده في اشعارهم ، فنجده استخدم هذه الجزئية البسيطة ليوضح معالم الصورة الجزئية التي تفهم من سياق الكلام ثم ينتقل إلى أن العجم تجمع بين الاثنين والموصوف بهما واحد الا أن الاختلاف بينهما هو ان النوح للحمام والعجمة هي للإنسان ، واهل الشعب يعدون بالإنسانية ويختلفون عنها ولكن الافصاح والتشبيه متقاربان مع بعضهما فالصورة جزئية بسيطة تحمل الفهم بمركبات جمل واضحة.
ومن أمثلة الصورة الجزئية ما ورد في البيت العشرين إذ يقول الشاعر :
بِعَـضدِ الــدَولَةِ اِمتَنَعَــت وَعَــزَّت وَلَيــسَ لِغَيــرِ ذي عَــــضُدٍ يَـــــــدانِ(15)
يقدم الشاعر صوره جزئية في توظيف الكلمات ورسم صورة لعضد الدولة الخليفة واعلائه مكانة بارزة، فيقول أن الناس كلها والدنيا بأجمعها تسلك طريق واحد وهو يسلك طريق الخليفة ، فكلا الطرق تؤدي إلى حماه، ومهما كان في الطرق من مخاطر ووعورة ، فهذه الطرق لا تثنيه عن عزمه الإ أن يصل إلى ممدوحه ، فهو الحامي لكل الطرق وكل المدن فهو الخليفة والدنيا كلها بأمان في حماه .
تظهر الصورة الشعرية الكلية على وفق قول الشاعر في الأبيات :
وَلا تُحــــصى فَضائــــلُهُ بِظَـــــنِّ وَلا الإِخــــبارُ عَـــنهُ وَلا العِـــيانِ
أُروضُ الــــناسِ مِن تــُربٍ وَخَوفٍ وَأَرضُ أَبـــي شُجــــاعٍ مِـــن أَمانِ
(15)
يقدم الشاعر صوره الجزئية بعبارات ليعظم مكانة ممدوحه ، وذكر أيامه وانتصاراته في فتح البلاد ،فينتقل إلى صوره الكلية موضحا تلك المكانة واصفا تلك الديار وامانها فهو الذي امن تلك المناطق ووحدها ، والمتنبي بارع في رسم الصور الكلية واعلاء مكانه الممدوح ، وأن فضائله لا تحصى ولا تعد ولا يمكن عدها لكثرتها ، فهو لم يترك شيء الا وعمله ، وكلها افعال وخصال محمودة ، فقد كان يحيط الأمن والأمان في كل المناطق الذي في حماه ، فأروض الناس جميعها كانت تخضع تحت سيطرته فأستخدم كلمة (أروض) دلالة على الكثرة والمراد هنا الارض التي هي يسكنها شعب بوان ، فهي ارض الملوك ويسكنها الخوف من هذه الملوك ، ولكن سكان هذه المدينة لا يخافونه لطيبه وتعامله فهم لا يفارقونها، فارضه أمناً لا يستطيع أن يعيث أحدأً بها فساداً مهما كانت مكانته لخوفه من سطوة الخليفة وقوته فهم يحترمونه حباً لا خوفاً، فالصور الكلية رائعة من حيث دلالتها فهو يرسمها ببساطة فتكون صوره متكاملة غايتها تعظيم الممدوح واعلاء شانه وهنا، تظهر تلك الصور لتتوضح معالمها في شخصية ممدوحه .
3-الصورة الحسية وتشتمل : الصورة البصرية / السمعية :
أولا: الصورة الحسية : هي صورة تعتمد في تشكيلها وتجسيدها على ما ينتقل عبر الحواس إلى الذهن ، فهي صورة تتشكل وتتكون من جميع المدركات الحسية في وصفها نوعاً "يتطلب العلاقة الجدلية بين الذات المبدعة ومدركاتها الحسية . فتحذف منها أشياء ، وتضيف إليها أشياء أخرى ، ويعاد تركيب تلك المدركات في صور مغايرة لكل أشكالها المألوفة ؛ فلا تعد تطابق أي شيء خارج تلك التجربة"(33) ، من خلال دراسة قصيده المتنبي على وفق المعايير الحديثة لفهم الايحاءات الشعرية، ومفهوم التقديم الحسي للصورة وادراك طبيعتها ، يصبح التعبير عن العالم الداخلي قسيماً للتعبير عن الموجودات في العالم الخارجي فتعد الصورة الشعرية وليدة الحاسة التي تشكلها . فالصورة الحسية تأخذ حيزاً في النص الشعري لارتباطها بخيال الشاعر، وكلما كان خياله خصباً نتجت تجربة رائعة في رسم الحالة النفسية والعاطفية من خلال صوره ، لذا تكون الصورة الحسية "نتيجة لتعأون كل الحواس في رسمها"(34) ، فالصورة الحسية عند المتنبي تعني تشكل حيزاً رئيساً في نصوصه وذلك لارتباطها بخياله الفذ الخصب الذي يغذي نسيج تجاربه، فيرسم معالم نفسيته وتجاربه الشعرية والعاطفية والواقعية بتشكيل صور حسية تتوزع كافة الحواس في رسمها ، فهي تحقق توازن نفسياً ونسبياً بتماثل الأحوال التي كان يعيشها الشاعر.
تعتمد الصورة البصرية على إدراك الأشياء بأحجامها، ورؤيتها بأشكالها ، والوانها وسكناتها، وحركاتها لتمثل تأمل عميق يدرك الحقائق للنظير والمتماثل وتواصلهما وربطها ، واظهارها بصفات داخلية وخارجية تستنبط الذات من خلال رؤيه شعرية تعبر عنها(35)، فبصرية الصورة هي التي " تكتب للعيان وتظهر الاهتمام بالجانب السينمائي في التشكيل الشعري مما يساعد على الاهتمام بالألوان والحذف واستخدام البياض والوصف والمفارقة ، وغيرها من التقنيات التي تشغل في فضاء الصورة في الذاكرة البصرية عند شاعر وتشارك المتلقي في إدراكها وإبصارها " (36) .
وشواهد تظهر الصورة الحسية البصرية التي يقدمها الشاعر في الابيات الخامس والسادس والثلاثين قوله :
كَــأَنَّ دَمَ الجَمــاجِمِ في العَناصـي كَـــسا البُلدانَ ريـــشَ الحَيقُطانِ
فَـــــلَو طُرِحَت قُـــــلوبُ العِشقِ فيها لَما خـــــافَت مِنَ الحَـــدَقِ الحِسانِ
(15)
يقدم المتنبي صوره شعرية بصرية ، فيذكر العناص (وهي جمع عنصوى ) وهي التي تحمل فوق الراس لحمايته في المعركة ويذكر الجماجم في صورة بصرية بارزة ، فصورة الرأس وهي مرمية على الارض أي مقطوعه آثر القتال في المعركة ، لان الشاعر يشيد بشجاعة عضد الدولة ومكانته فهو لا يهاب الاعداء ، فصوره بصريه واضحه متمثل بكثره القتلى رقم انهم يحملون العناص في الراس مشبها إياهم بذكَر (الدراج الطائر المذكور) وهو الحيقطان اي هو اسم لطائر ذكر الدراج ذو الريش الجميل فشعره ارقط بين سواد وبياض قصير المنقار لذا يذكر جماجم الأعداء التي عملت فيها سيوفه وتطاير الرؤوس في المعركة مشبها هذه الصورة المتلطخة بالدماء والمنتثرة على ارض المعركة والمنتشرة في البلدان التي فتحها كان الطائر ملطخ في الدماء أي ملمع ريشه فهو كثير الالوان فالأرض تلمع من كثره الدماء التي سالت عليها ، ثم يذكر في البيت الثاني قلوب العاشقين وهي صورة بصرية غير مرئية لعب الحس الدور فيها تشكيلها فالأمن والامان الذي حسه في بلاد فارس لا يزال يعيشه في بلاده ، فقلوب العاشقين تهوى تلك المناطق لجمال طبيعتها وقلوب جنوده لا تخشى السهام فذكر احداق الحسان وهو تشبيه حذف أداة الشبه منه وفيه نوع من الغرابة فالعاشق في المعركة يتذكر وجه حبيبته لشدة جمالها فيراها في القتال لشيد من عزمه في القتال والحنين للرجوع وملاقاتها في الايام الخوالي .
وهنا المفارقة بين الصورة البصرية الأولى والصورة الثانية ، فالصورة الحسية الثانية منبثقة في خياله غير مرئية لان سهام احداق الحسان صورة حسية لعب الخيال في تشكيلها على عكس صوره الجماجم ، فهي صورة مرئية بسطية، فتظهر في ارض المعركة نتيجة كثرة القتلى ، لذا عمد المتنبي على ابراز مكانه عضد الدولة واعلاء من شانه ، فهو العامل في اعدائه الملم في معاركه لا يهاب أحداً والارض كلها تصبح أمان تحت خلافته لذا صوره جمعت بين الاثنين ووفق في توظيفها الخيال الحسي مع الخيال البصري.
ثانيا :الصورة السمعية:
وهي صورة لا تقتصر على الصورة البصرية حتى ولو كانت المدركات بصرية ، فهي تمثل المجال الاكبر من مختلف المدركات الحسية ولا يمكن التركيز على الصورة البصرية فقط ، بل الشاعر المتمكن يبني صوره على جميع الحواس ، لذا نجده يعتمد في تشكيل صوره على السمع ، فيرسم لنا صوراً اكثر جمالية يلعب الخيال في تشكيلها اذ تعني اعاده " انتاج عقلية لتجربة عاطفية أو ادراكية عابرة ليست بالضرورة بصرية"(37) وهذا اكثر ما يميز صور المتنبي الذي يمجد فيه ممدوحيه .
وشواهد تجسد الصورة الحسية السمعية الذي يقدمها الشاعر في الابيات الثالث والاربعين والرابع والاربعين قوله :
أَشَدَّ تَنازُعاً لِكَريمِ أَصلٍ وَأَشبَهُ مَنظَراً بِأَبِ هِجانِ
وَأَكثَرَ في مَجالِسِهِ اِستِماعاً فُلانٌ دَقَّ رُمحاً في فُلانِ
(15)
تشكلت الصورة السمعية في هذين البيتين بمفردات لها علاقه بالصوت والاستماع وافكار تدور في خيال الشاعر وقد وثقتها الافعال (اشد ، واشبه ،واكثر ، ودق ) ، فهي افعال تركز على الاستماع وتدل على المشاركة فيه ، مع ما اكده اسم الفعل أو(استماعا) ودقه ، فتجسد السمع الحسي الذي يدور بينهما ، فجمع المعنى الحسي والمعنوي بصورة سمعية تعبر عن ما يدور في خيال الشاعر ويعزز وقعه في قلب المتلقي، فالشاعر يعمد إلى وصف تنازع اي التجاذب بين اصل الكريم وضده فوصف الخليفة بانه لا ينازعه شيء في كرمه فقط شبه به ابنائه حين يحاول كل واحد منهما ان يكون بكرم ابيه أو يلحقه بهذا الكرم ، فكلاهما أصل ونسب محاولا احدهما ان يكون اكرم من الاخر والضمير هنا في مجالسه (الهاء ) اكدت جملة أن الاستماع هنا لعب دوره في المجالس فكانت الصورة سمعيه وهي عبارة عن فلان دقه رمحاً في فلان أو وخزه في صدره كذلك لا يجري في المجلس ابيهما صوت غير صوتهما ، فالمجالس كلها خرسة بحضور والدهما فالخليفة هو الأمر والناهي والمطلع على كل شيء.
الخاتمة
وصل البحث إلى مجموعة من النتائج على وفق ما يأتي :
جاءت الصورة في القصيدة على نوعين من الصور الصورة المفردة المتمثلة بالتشبيه والتركيز على اركانه والدور الذي يلعبه التشبيه في رسم الصور المفردة والمركبة فضلا عن الحث الشعري .
عملت الصورة الاستعارية على التشخيص لمكانة الخليفة وسطوته والإعلاء من شانه ، فكانت الاستعارة التصريحية ودورها في توظيف دلالات ثقافية يستفيد منها القارئ والمتلقي في معرفة مكانة الخليفة والاطلاع على الطبيعة الخلابة التي يتمتع بها هذا الشعب ومكانته التي تدخل إلى قلوب العاشقين لتلك المناطق .
كذلك جاءت الصورة الكنائية للدلالة على شجاعة جيش الخليفة وموقفه متمثلة بفرسانه ، من حيث تعزيز الموقف الشعري ، وذكر وصف الخيل التي تلعب دورا في المعركة .
اعتمد الشاعر في تشكيل صوره على وفق التضاد من الصور الثابتة والمتحركة للأفعال ودلالاتها في رسم الصور الحركية ، فضلا عن الصور الجزئية التي لا تكتمل الا بالصورة الكلية ليعزز موقف الخليفة واعلاء شانه ، فالصورة خياليه واقعيه حدثت عندما فتح الخليفة تلك البلاد وعاشوا جنوده في تلك الفترة وسحروا بجمال الطبيعة وفتنوا بها ، فجاءت الصور الثابتة والمتحركة دلاله على تلك المواقف مكتملة بالصور التي يرسمها الشاعر.
ثم بعد ذلك جاءت الصور الحسية المتمثلة بالصورة البصرية والصورة السمعية بتركيبين موجزين دلالة على طبيعة المناظر الخلابة وجمالها وتأثيرها في نفوس الجند والخليفة ، فعملت الصور الحسية والسمعية على تشكيل جمالية متعددة في بناء متماسك يتميز بالبساطة في التعبير والدقة في توظيف الافعال ، فكانت الصور المتمثلة في هذه القصيدة صورة جمالية رائعة عبرت عن مكانة الخليفة وجمال تلك الأرض.
المصادر والمراجع :
- Lewis, Y. The Poetic Image. Translated by Ahmed Naseef Al-Janabi and Malik Miri, Dar Al-Hurriya for Printing, Baghdad, 1982.
- Fadl, Salah. Structuralist Theory in Literary Criticism. Anglo-Egyptian Library, Cairo, 1978.
- Asfour, Jaber. The Artistic Image in Critical and Rhetorical Heritage. Dar Al-Tanweer, Beirut, 1983.
- Al-Saghir, Muhammad Hussein Ali. The Artistic Image in the Qur’anic Parable. Dar Al-Rasheed for Publishing, Baghdad, 1981.
- Matloob, Ahmed. In Critical Terminology. Scientific Complex Press, Baghdad, Iraq, 2002.
- Ghazwan, Anad. The Future of Poetry and Its Critical Issues. Dar Al-Shu’oon Al-Aamma, Baghdad, 1994.
- Ismail, Ezzedine. Literature and Its Arts. Dar Al-Fikr Al-Arabi, Beirut, 1976.
- Al-Ruba’i, Abdul Qader. The Artistic Image in Poetic Criticism. Dar Al-‘Uloom for Printing and Publishing, Riyadh, 1984.
- Al-Qazwini, Zakariya ibn Muhammad ibn Mahmoud (d. 682 AH). Antiquities of the Lands and News of the People. Dar Saad, Beirut.
- Al-Sakkaki. Miftah Al-‘Uloom [The Key of Sciences]. Dar Al-Kutub Al-‘Ilmiyya, 2nd edition, Beirut, 1987.
- Al-Jarib, Muhammad Ramadan. Applied Rhetoric. Publications of University of Nasser V, 1st edition, Morocco, 1997.
- Al-Jundi, Ali. The Art of Simile. Modern Artistic Press, 2nd edition, Cairo, 1967.
- Al-Hamshi, Ahmed. Jewels of Rhetoric in Meaning, Expression, and Badi’. 2nd edition, Egypt, 1960.
- Al-Alawi. Al-Tiraz. Al-Asriya Library, 1st edition, Beirut, 2012.
- Al-Barqouqi, Abdulrahman. Explanation of Al-Mutanabbi’s Diwan. Hindawi Foundation, United Kingdom, 2017.
- Al-Baqillani, Abu Bakr. The Miraculous Nature of the Qur’an. Edited by Sayyid Ahmed Saqr, Dar Al-Ma’arif, Cairo, n.d. [1954].
- Fayoud, Basyuni Abdelfattah. Science of Rhetoric. Dar Al-Alam Al-Thaqafiya, Saudi Arabia, 1998.
- Ibn Al-Atheer. The Prevailing Example in the Literature of the Writer and Poet. Nahdat Misr, Cairo, 1973.
- Abbas, Fadhl Hassan. Rhetoric and Its Arts. Dar Al-Furqan, 1st edition, Jordan, 2005.
- Al-Jarjani, Abdul Qahir. Secrets of Rhetoric. Edited by H. Ritter, Ministry of Education, Istanbul, 1954.
- Abdullah, Muhammad Hassan. The Image and Poetic Structure. Dar Al-Ma’arif, Cairo, n.d.
- Al-Jarjani, Abdul Qahir. Secrets of Rhetoric. Edited by Muhammad Al-Fadhli, Al-Maktaba Al-Asriya, Beirut, 1st edition, 2003.
- Matloob, Ahmed. Rhetorical Arts. Dar Al-Buhuth Al-‘Ilmiya, 1st edition, Kuwait, 1975.
- Khalil, Ahmed. Introduction to the Study of Arabic Rhetoric. Dar Al-Furqan, Yarmouk, Jordan, 2004.
- Al-Jarjani, Abdul Qahir. Proofs of the Miraculous Nature. Al-Futuh Literary Press, 5th edition, Cairo, 1952.
- Khalil, Ibrahim. Stylistics and Text Theory. Arab Institution for Studies and Publishing, 1st edition, Beirut, 1997.
- Hilmi, As’ad Ahmed, and Victor El-Kak. The Craft of Writing. Dar Al-Sual, 4th edition, Damascus, 1981.
- Atimesh, Mohsen. Deir Al-Malak. Dar Al-Hurriya for Printing, Baghdad, 1982.
- Ubaid, Muhammad Saber. Membership of Poetic Management. Dar Majdalawi, 1st edition, 2007.
- Abu Asba’, Saleh. The Poetic Movement in Occupied Palestine. Arab Institution for Studies and Publishing, 1st edition, Beirut, 1979.
- Ubaid, Muhammad Saber. Mirrors of Poetic Imagination. Al-Bayan Foundation, 1st edition, Saudi Arabia, 2006.
- Al-Sayegh, Abdul Ilah. The Artistic Image as a Critical Standard. Dar Al-Shu’oon Al-Thaqafiya Al-‘Amma, 2nd edition, Baghdad, 1987.
- Kindi, Muhammad Ali. Symbol and Mask in Modern Arabic Poetry (Al-Sayyab, Nazik, and Al-Bayati). Dar Al-Kitab Al-Muttahida, Beirut, Lebanon, 2003.
- Saleh, Bushra Mousa. The Poetic Image in Modern Arabic Criticism. The Arab Cultural Center, Beirut, 1994.
- Hilal, Ibrahim Al-Waseef. Graphic Imagery in Al-Mutanabbi’s Poetry. Wahba Library for Printing and Publishing, Cairo, 1st edition, 2006.
- Muwafi, Abdul Aziz. Prose Poetry: From Foundation to Reference. Egyptian General Book Organization, Cairo, 2006.
- Sobhi, Muhyiddin, translator. Literary Theory by Austin Warren and Rene Wellek. Arab Institution for Studies and Publishing, Beirut, 1997.