|
|
|
|
|
|
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية
|
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
جمالية القبح في تشكيل شخصيات رواية "عُطارد" لِمحمد ربيع
|
|
|
|
إيمان براء الطائي سحر ريسان حسين
|
|
|
|
جامعة الموصل / كلية التربية للعلوم الإنسانية
|
|
|
|
Article Information
|
|
المستخلص
|
|
Article history:
Received: 10 December 2024
Revised: 16 January 2025
Accepted:26 January 2025
|
|
إنَّ غياب التناسق والتناسب والنظام، وتشويه قيم الحق والخير والجمال في واقعنا السياسي والاجتماعي، أنشأ اعتيادًا وتقبلًا على إمكانية نمو ذائقة ثقافية جديدة، تطمس النظرة النقدية التقليدية، وتتمرد على قيودها وضوابطها، وتخلق فرصًا تبيح الجمع بين المتضادات والمتناقضات. فكان القبح بمثابة صرخة رافضة للنظرة التقليدية، باحثة عن الغريب الذي تنفر منه العين، المخالف للمألوف، الذي يدعو للتأمل والتفكير، ويثير العواطف المتضادة في ذات الوقت، ليكون هو الفن والإبداع والتميز. يحاول البحث مناقشة ثنائية الجمال والقبح، وتتبع الآراء النقدية، وصولًا إلى الاعتراف بشرعية القبح وعدّه نوعًا من أنواع الجمال. مع الاعتماد على رواية عُطارد للروائي المصري محمد ربيع، بوصفها نموذجًا أدبيًا مميزًا وفريدًا، يحاكي القبح في كافة جوانبه السياسية والاجتماعية والتاريخية والدينية . واستندت الدراسة على المنهج التحليلي الوصفي، في قراءة وتحليل الشخصيات، وبيان ما تشتمل عليه من أبعاد داخلية وخارجية للكشف عن الأثر الجمالي الذي حققته في ذات المتلقي. واقتضت الدراسة البحثية ضرورة تقسيم البحث على قسمين : قسم تنظيري، تم فيه الوقوف على ثنائية الجمال والقبح أولًا، وبيان أهمية الشخصية الروائية ودورها في إيصال مضمون النص للقارئ ثانيًا. وقسم تطبيقي تم فيه الوقوف على قدرة ربيع في رسم شخصياته رسمًا جماليًا معتمدًا على الزيف والخداع والتشوه والشذوذ. وخاتمة تم فيها الوقوف على أهم النتائج .
الكلمات المفتاحية: ثنائية الجمال والقبح، الشخصية الروائية، القناع، التشوه، الشذوذ
|
|
Keywords:
Duality Of Beauty and Ugliness
Novelistic Character
Mask
Distortion
Anomalies.
|
|
EmanBaraa Azhar
[email protected]
|
|
|
|
|
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v4.i1.a8, ©Authors, 2026, College of Education, Alnoor University.
This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).
|
| |
|
|
|
|
The Aesthetic of Ugliness in the Characterization of the Novel "Otared" by Mohamed Rabie
E B Azhar. S R Hussian
Abstract
The lack of harmony, proportionality, and order, as well as the distortion of the values of truth, goodness, and beauty in our political and social reality, have led to the normalization and acceptance of a new cultural taste. This taste obscures traditional critical perspectives, rebels against their constraints, and creates opportunities to merge opposites and contradictions. Thus, ugliness emerges as a cry rejecting traditional perspectives, seeking the unfamiliar that repels the eye, diverges from norms, invites contemplation and thought, and simultaneously evokes conflicting emotions, becoming a form of art, creativity, and uniqueness. This research seeks to discuss the duality of beauty and ugliness, tracing critical perspectives to ultimately acknowledge the legitimacy of ugliness as a form of beauty. The study is grounded in the novel Otared by Egyptian novelist Mohamed Rabie, as an exemplary literary model that embodies ugliness in all its political, social, historical, and religious dimensions. The study employs a descriptive-analytical method to read and analyze characters, revealing their internal and external dimensions to uncover the aesthetic impact they produce in the audience The research is divided into two sections .Theoretical Section: This explores the duality of beauty and ugliness and highlights the importance of the novelistic character and its role in conveying the text's meaning to the reader. Practical Section: This examines Rabie’s ability to portray his characters aesthetically by relying on falseness, deception, distortion، and abnormality
مقدمة البحث
في الحياة يوجد الكثير من الثنائيات الضدية التي تشكل الواقع الذي نعيشه، منها: الخير والشر، النور والظلام، الصدق والكذب، القوة والضعف، النعيم والجحيم، والجمال والقبح . إذ يستدعي الحديث عن أحد الطرفين ، الحديث عن الطرف الثاني المضاد له، لكونه الوجه الاخر المكمل لضده، على إنّه لا يوجد في الحياة خير مطلق، وشر مطلق، وجمال مطلق، ولا قبح مطلق، وإنما يكون كلًا منهم بنسب متفاوتة، وهذه النسبية هي التي تسمح بتداخل الأضداد، وبذلك يمكن أن نجد جمالًا في القبح، وقبحًا في الجمال . ومع أنَّ في ذلك مفارقة بينة تضع الجمال والقبح في غير موقعهما التقليدي المعتاد، فما هو معروف عنهما إنّهما يوجدان في تضاد وتعارض، وحضور أحدهما يعني غياب الاخر، وإنّ وجودهما معًا يحدث في المتلقي شيئًا من الارتباك والاستغراب ويحفزه على طرح العديد من الاسئلة، هل نعدّه جمالًا سلبيًا؟ أم نعده إحدى درجات الجمال المتدني ؟ أم نعده جمالًا مذمومًا ؟
القسم الأول :
أولاً : ثنائية الجمال والقبح
يتنافى القبح مع الجمال ويتعارض معه، مما يصعب وضع تعريفًا محددًا له، وبالعودة إلى أراء الفلاسفة والدارسين نجد تباينًا في وضع تعريفٍ محدد للقبح، منهم من عَدَّه مفهومًا مضادًا للجمال، يدل على الاشياء الكريهة أو المنفرة والمرعبة التي تثير في المتلقي مشاعر الفزع والخوف والسخرية، فالقبيح عند لالاند "اشوه الصورة، مزعج، غير منسجم، البشع " ( أندريه لالاند، 2001: 1/ 367 ) وعرفت القباحة على أنها " تشوه، والتشوه على أنه قباحة "( غريتشن .أي. هندرسن، 2010: 64 ) وهي بذلك "ما ينحرف عن صورة تعد كاملة في نوعها، فتبعث على النفور" ( ابراهيم مدكور، 1979: 146 ) وقدمها جميل صليبا في معجمه مرتبطة بمعانٍ " النقص، والضرر، والشر، والاختلال، والفوضى" ( جميل صليبا، 2002 : 185 ) . وكذلك جاءت افتراضات الفلاسفة الأوائل مطابقة لهذه المعاني حيث افترضوا، دون أي دليل، إنّ القبيح لا بد أن يكون مضادًا للجميل . وإن الجمال والقبح في ميدان الاستطيقا، هما الخير والشر في ميدان الأخلاق، والصدق والكذب في قضايا المنطق . وإنّ الجمال هو الهدف الوحيد للفن، ولا بد من استبعاد القبح من ميدان الفن، ومنهم شارل لالو الذي أكد "إنّ القبح مضاد للجمال، بل هو ليس خارج الميدان الاستطيقي فحسب، بل هو لا استطيقي بالمرة . وضد دين الجمال " ( شارل لالو، 2010: 21 ) غير أن القبح لم يستبعد من العمل الفني، بل كثيرًا ما كان قوة اضافية لهذا العمل ( ينظر : ولتر.ت. ستيس، 2000:٢٤ ) . ويتساءل (ستيس) كيف نفسر القبح ؟ وما طبيعة القبح؟ وما علاقة الفن بالقبح ؟ وإذا كان للقبح مكان في الفن فكيف يتفق ذلك مع قولنا إنّ الهدف الوحيد للفن هو الجمال؟ يرى (رامبو) إنّ الجمال والقبح ليسا ضدين من ناحية القيمة، بل من ناحية الإثارة والتنبيه ( رمضان الصباغ، 1998:١٢٢ ) . وإنّ العمل الفني في نظر (شارل لالو) " تكون له قيمة سوية، أي يكون جميلًا عندما يكون مطابقًا لوظائفه النفسية والاجتماعية ... وتكون له قيمة سلبية أو شاذة، أي يكون قبيحًا عندما يفشل في القيام بوظيفة من وظائفه " ( شارل لالو، 2010 :٢٨- ٣٩ ) وفي قول (لالو)السابق خلطًا بين القبيح وغير الجميل، وذلك لأن العمل الفني الفاشل لا يكون قبيحًا وإنما يكون غير جميل .
وهكذا فقد أثار الإيمان بأن القبح ضد الجمال صعوبات في وصف العمل الفني غير الناجح، فكلمة عمل فني تعني " إنّه جميل، والعمل غير الفني يقال عنه إنّه عمل فقير فارغ لا قيمة له . ولهذا اعتقدنا إنه هو نفسه القبيح " ( ولتر.ت. ستيس، 2000 :٩٦ ) ومن ذلك يتبين لنا إنّ الفلاسفة عندما جعلوا القبح مضادًا للجمال لم يفرقوا بين القبيح وغير الجميل وأطلقوا الكلمتين على العمل الفني الفاشل . وهذا ما أكده (كروتشه) حين قال :"إنّنا نستخدم كلمات الجميل والصادق والخير والنافع ونطلقها على الإنتاج الفني عندما يكون ناجحًا، ونستخدم كلمات القبيح والكاذب والرديء وغير النافع ...الخ . فننعت بها الانتاج الفني الفاشل " ( عز الدين اسماعيل، 1974 :٦٠-٦١ ) . أما (كانط) فانه يفرق بين القبيح وغير الجميل، وعنده ما ليس جميلًا ليس قبيحًا دائمًا، وذلك لأن القبح شيء إيجابي وليس نقص في الجمال بل هو شيء مخالف للجمال .
ومن الأسس التي دفعت النقاد والفلاسفة إلى القول إنّ القبح ضد الجمال كونه يخلق فينا مشاعر الاستياء . حيث بنوا افتراضهم على أساس إنّ الجميل يولد شعورًا بالمتعة، وإنّ القبيح يولد شعورًا بالاستياء . والمتعة والاستياء ضدان . إذ إنّ المشاعر المصاحبة للقبح تنطوي تحت مفهوم النفور حيث تنفر النفس من الشي القبيح، لما يخلقه من ألم وكدر واضطراب وانزعاج ؛ وهذا يعني إنّ الأثر النفسي الانفعالي الذي يتركه القبح هو أثر سلبي يدفع الذات المتلقية إلى الابتعاد والنفور عنه، وبذلك يكون القبيح مكروه وممقوت على عكس الجميل الذي يكون معشوقا ومحبوبا ( ينظر : سعد الدين كليب، 1997 :202 ) ولكن هناك خطأ في هذه النظرة، فاذا كان " الأثر المرتبط بالقبح أثرًا سلبيًا، فان هذا لا يؤدي بالضرورة ألى أن تكون لذة القبح لذة سلبية، بل هي لذة ايجابية فحواها معرفة مواطن النقص واسباب التنافر والاعتبار والاتعاظ من أن يتسرب النقص والتنافر إلى المتلقي، وهو ما يجعلنا أكثر حصانة من الوقوع في القبيح . ومن هذا المنطلق فإنّ الألم الناجم عن القبح على الصعيد العضوي والنفسي ينعكس لذة على الصعيد الجمالي - يسمو على كل ما هو مكروه وممقوت " ( عمر محمد نقرش، 2013 : ٣٦٥ ) فالجمال يولد شعورًا استطيقيًا أحادي وهو الشعور بالمتعة، بينما القبح يولد شعورًا مزدوجًا، فهو ينتج المتعة والاستياء معًا( ولتر.ت. ستيس، 2000:١٠١ ) أي إنّ القبح لا يولد ألما حقيقيا وإنما هو في ذاته مصدر تسلية ولذة . وإنّ ارسطو وظف القبح بإدخاله الرعب بين عناصر الدراما .إذ إِنَّ القبح عنده" ليس قبحًا في الأصل، بل هو جمال من نوع خاص . على صعيد الوظيفة، يظهر جمال الجميل، ولولاه لما كان للجمال ذلك الظهور" ( سعد الدين كليب، 1997:١٩٧) ونجد الفيلسوف ( بنديتو كروتشه ) يدعم هذا الرأي من خلال تصوره ماهية التراجيديا والكوميديا، مشيرًا إلى أهمية القبيح في الفن لتقوية الأثر الجميل، بقوله "إنّ مهمة القبيح حين يقبل في الفن، هي أن يساعد على تقوية أثر الجميل، بإنتاج سلسلة من المتضادات تجعل الملائم أقوى أثرًا " ( بنديتو كروتشه، 1993:١١٤ ) وفي هذا الصدد يقول (بلنسكي ): " إنّ التعبير الفني عن القبح يستدعي ادانته، وينبه ضمنًا إلى ما ينبغي أن يكون عليه الحال، فكأنه تأكيد غير مباشر للجميل واحتجاج على ما في العالم من قبح وظلم " ( نايف بلوز، 1983 :٩٨ ) وقد عبر الباحث الاستطيقي( زولجر) عن المفهوم الشائع للقبيح بقوله : " القبيح مضادًا ايجابيًا للجميل. ولا يمكننا إلا أن نعدهما متنافرين تمامًا" ( جيروم ستولينتز، 2007:٤٠٠-٤٠١ ) أما (بوزانكيت) في كتابه " ثلاث محاضرات في الاستطيقا " يرى إنَّ ما يسمى قبحًا بصورة عامة يرجع إلى ضعف المشاهد الذي يفتقر إلى القدرات اللازمة لتقدير القيمة الاستطيقية للعمل الفني، إذ إنّ هناك موضوعات يصعب الحكم عليها وتقدير قيمتها، لأنها تدخل في فئة الجمال العسير " ( المصدر السابق : 407 ) وفي هذه النظرية ينقل مفهوم القبح إلى الجمال العسير، ويضع في الوقت ذاته القبح ضمن مقولات القيمة الجمالية .
وهكذا فقد بدأ التغير التدريجي والعزوف عن المعنى الضيق للجمال الذي عدّ القبح مضادًا للجمال . ونتيجة التطور في الفكر الاستطيقي الذي تطرق للجمال بمفهومه الواسع،مؤكدا إنه "واحد من بين عدة انواع من القيمة الاستطيقية " ( المصدر السابق : 399 ) وبالمعنى العام للجمال لا يكون القبح مضادًا للجمال بل يكون نوعًا من انواعه، فالقبح والجمال "هما نوعان من انواع أخرى للقيمة الاستطيقية" ( المصدر السابق : 401 ) . وعَدَّ( ولتر.ت.ستيس) القبح نوعًا من الجمال، والجمال عنده يشمل " الجليل، والمرعب، والهجائي، والمخيف، والكوميدي، والقبيح ( المصدر السابق :٢٧ ) وبمقدار ما تثير هذه الصفات مشاعر جمالية أصيلة هي بالنسبة له " انواع فرعية لما هو جميل، والقبيح عنده يؤدي إلى" انطباع استطيقي يمكن أن يكون جميلًا بدلًا من الانطباع المؤلم الذي نفترضه عادة " ( المصدر السابق : 27 ) وإن هذا التبدل في الموقف الثقافي أدى إلى إعادة النظر بكل ما هو سطحي، والالتفات إلى إن القبيح قد "يخفي حقائق غامضة يجب فك شفراتها خلف ظاهرها الوحشي واسلوبها الفظ " ( غريتشن .أي. هندرسن، 2010: 99 ) ويمكن القول إن صناعة الجمال لا تقتصر على الجمال، وإنما للقبح فيها نصيب، حيث يكون العمل الفني من الناحية النظرية قبيحًا، ومع ذلك يعد عملًا فنيًا أصيلًا ؛ لإن وجوده لا يجعل العمل قبيحًا، لكونه كما يقول (هيجل):" يتمتع بقيمة جمالية بعيدة عن جمال الشي أو قبحه " ( عز الدين اسماعيل،1974 :59-٦٠ )
. لو استشهدنا بالأعمال الفنية ذاتها، لوجدنا إنّ قدرًا كبيرًا منها يضم موضوعات قبيحة، ولوجدنا إن هذا القبح " لم يجَمل , ولم يخفف، بل زادته طريقة معالجة الفنان تأكيدا وحيوية " ( جيروم ستولينتز، 2007:٢٤٥ ) إذ يقول (جاكسون بولوك) : " كل الأعمال الفنية الأصيلة عن جدارة، تبدو قبيحة في البداية " ( غريتشن .أي. هندرسن،2010 :178 ) وقبله أكد الناقد البريطاني (روجر فراي) إنّ القباحة خصلة فنية ايجابية متحديًا (النقاد الأكبر سنًا) الذين يفشلون بملاحظة كيف تلعب القباحة دورًا هامًا في الفن ( ينظر : المصدر السابق : 178 ) ويعد( فريدريك شليغل) أول من أشار إلى مسألة القبح بوصفها مشكلة مركزية في الجماليات خاصة في الأدب الحديث، إذ يقول :"القبيح هو الهيمنة المطلقة للمميز والفردي والمثير للاهتمام وللبحث الذي لا يشبع وغير الكافي عن الجديد والشائك واللافت للنظر" ( أدغار موران،2019 : 27) والفنون الحديثة تذوقت القبح وأدخلته في كل نوع من انواعها حتى أصبح "وصف النقص في الجسم والروح، وتصوير جوانب التشويه سمة من سمات الفن الحديث " ( راوية عبد المنعم عباس،2005 : 32 ) إلا أَن هذه الموضوعات لا يمكن " أن يبعث تأملها على اللذة إلا حينما تضاف إليها ضروب ايجابية من الجمال " ( جورج سانتيانا، 2001: ٢٩٨ ) إذ من الممكن أن يتحول القبيح إلى الجمال الفني عن طريق " الوصف والتعبير الناجح عن ذلك القبح " ( عبد العزيز حمودة،1999 : ٦٨ ) وإنّ القبيح بدخوله ميدان الفن يأخذ صورة مثالية تمنحها له قوانين الجمال العامة كالتناسق، والانسجام، والتناسب، وقوة التعبير وهذه المثالية لا تخفف القبح وإنما تأكد طابعه الأصيل المميز ( ينظر: عز الدين اسماعيل،1974 :٦٠ ) وفي تمثيل القبح تبرز قدرة الفنان الابداعية لأن أبراز الجميل في صورة جمالية لا يتطلب جهدًا فنيًا كبيرًا، كالجهد الذي يستهلكه في ابراز القبيح في صورة جمالية دقيقة ( ينظر : راوية عبد المنعم عباس،2005 :٣٣ ) وذلك لان جمالية الجمال لا تفترض استحضار القبح بينما على العكس من ذلك نجد القبح يستحضر الجمال ويتماهى معه ( أحمد محمد البزور، 2020 :٦٧٧ ) إذ إن امتزاج جاذبية العمل الفني مع قبح الموضوع وفظاعته تجعل المتلقي يبحث في الموضوعات القبيحة عن قيمة استطيقية، فحينما يثير الموضوع استياءنا وشجننا فان الوسيلة التي توصلها إلينا تبعث النشوة في نفوسنا ( ينظر : جورج سانتيانا، 2001 : ٢٩٧ ) ويخرج العمل الفني من نطاق الفن "عندما تتضاءل جاذبية العرض الجميل أو عندما يبرز الشر المصور بروزًا من شأنه أن يرجح كفة الألم ( ينظر : المصدر السابق :٢٩8 ) وذلك لأن الحد الفاصل بين الاحساس بالمتعة والنفور من العمل القبيح هو " أن لا يفوق الألم والنفور المتعة " ( ولتر.ت. ستيس، 2000:١٠٣) لأن ذلك سوف ينعكس سلبًا على العمل الفني ويمنعه من تحقيق الهدف الجمالي الذي كان يسعى لتحقيقه . فعندئذ لا يكون العمل الفني عرضًا جماليًا للقبح وإنما يكون قبحًا حقيقيًا ؛ لان ضعف إدراك القاعدة الفنية والانحراف عنها يكون خطأً وليس ابداعًا . وبذلك يكون خارجًا عن ميدان الفن، ومضادًا للجمال .
ثانيًا : الشخصية الروائية
تعد الشخصية عنصرًا مهمًا من عناصر النص الروائي، وتشكل محوره الأساسي الذي يمتلك فاعلية كبرى على فهم النص الأدبي وتحليله، والكشف عن أبعاده النفسية والاجتماعية والفكرية، فهي ليست مجرد عنصرًا عابرًا في السرد، بل تعد نقطة التقاء بين القارئ والعالم الروائي . ونافذة لفهم التحولات الحضارية والثقافية التي مر بها المجتمع . فضلًا عن كونها عنصرًا يحرك الأحداث ويحمل المعنى أو الرسالة . وتسهم الشخصية في تجسيد علاقة المبدع بعالمه، أي إنها تعبر عن رؤى المبدع وفلسفته، كونها جزءًا من تجربته وخياله، وتعد دراستها مدخلًا حيويًا لفهم النص وتحليل معانيه والكشف عن دلالاته .
فالشخصية عماد كل حكي، وأساسه، الذي لا تقوم له قائمة بدونها . وعدها تودوروف " موضوع القضية السردية " ( تزفيطان تودوروف، 2005 : 73 ) وهي العنصر الوحيد الذي " تتقاطع عنده كافة العناصر الشكلية الأخرى، بما فيها الإحداثيات الزمنية والمكانية " ( حسن بحراوي، 1990: 20 ) ولا يوجد سرد بدون شخصيات، وذلك لأن لا أحد من المكونات السردية يقدر على ما تقدر عليه الشخصية، فاللغة تصبح خرساء، والحدث غائبًا، والفضاء خامدًا وساكنًا، فهي التي تصطنع اللغة، وتصف المناظر، وتنجز الحدث، وتعمر المكان، وتملأ الوجود حركة وضجيجًا . ( ينظر : عبد المالك مرتاض، 1998: 91) وطبيعتها الوجودية الورقية جعلت هويتها موزعة في النص " عبر الخصائص والأوصاف التي تستند إلى اسم علم يتكرر ظهوره في الحكي " ( نعيمة سعدية، 2016: 109 )
احتلت الشخصية مكانة بارزة في الرواية العربية بشكل عام، وفي رواية عًطارد بشكل خاص، إذ عبرت عن التغيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع، فكانت بمثابة مرآة تعكس التفاعل بين الفرد ومحيطه، وتكشف مدى قدرة المحيط على التأثير به، نفسيًا وجسديًا وعقليًا، ومدى قدرة الفرد على فرض تأثره - السلبي والقبيح غالبًا - على محيطه، فتنوعت أفكار الشخصيات وايديولوجياتها، بين السياسة والدين والتاريخ والواقع . فضلًا عن تسليط الضوء على قضايا كبرى تتعلق بالحرية والهوية والصراع الطبقي، والقمع السلطوي، مما أضاف عمقًا وجاذبية للعمل . وظهرت الشخصيات كأفراد تعيش صراعاتها الذاتية، في مجتمع مأزوم . وبما أَن رواية عُطارد تعبير فني عن واقع موحش قبيح فوضوي عبثي، جاءت الشخصيات تتناسب مع ذلك الواقع، في قباحته وتشوهه وغرابته . وذلك لإن ربيع ابن الواقع المصري، عاش أزماته وسلبياته وقباحته، ولم يقوَ على البقاء لا مباليًا أو محايدًا، وهو يبتدع نصه الروائي، أي أنه لم " يقوى على التصوير، وعلى الكتابة، وعلى النحت بشكلٍ جميل، على خلفية جثث ممزقة متكدسة في خنادق، لها اسم موحٍ بشكل مرعب " ( مارك جيمينيز، 2009 : 323) فضمن نصه الأدبي شخصيات واقعية، اجتهد في رسم أبعادها وملامحها لتعبر تعبيرًا فنيًا عن الواقع، وتجسد أزماته ومعاناته وآلامه وأحزانه . وجاء رسمه لأغلب الشخصيات رسمًا قبيحًا، يجسد القباحة الواقعية، التي تجمع التشوه والشذوذ والزيف والخداع والمرض والفقر والشر والعنف والعبث والفوضى والتشرذم . ويمكننا أن نعد رواية عُطارد نموذجًا فنيًا أسهم أسهامًا فعالًا " في بلورة الوعي الاجتماعي لما هو قبيح، حيث إنه يجسد القبح منمذجًا، من منظور المثل الأعلى في الجمال " ( راوية عبد المنعم عباس، 2005: 174 ) وفيها أظهر ربيع أن هناك قابلية لا محدودة لصناعة القبح، تفوق قابلية صناعة الجمال .
القسم الثاني : شخصيات عُطارد وتشكيلها القبيح
مرّت الشخصيات في رواية عُطارد بتحولاتٍ عدة، على المستوى الاجتماعي والمهني والشكلي ( الخارجي ) والباطني ( الداخلي )، وفي الغالب كانت تلك التحولات قبيحة، أفقدتها طبيعتها الإنسانية، وروضتها ترويضًا قبيحًا لخدمة الفوضى والتفكك والانحلال في الواقع الروائي، نظرًا لأنها جسدت في كافة أبعادها واقعًا مصغرًا للنظام السياسي وأثره على حياة الأفراد في ذلك الوقت . فالواقع السياسي المنهار أثر على حياة الأفراد، وحول نظامها إلى فوضى، ووحدتها إلى انحلال وتفكك، وأمانها إلى خشية وخوف، وأملها إلى خيبة، وطفولتها ورقتها ونعومتها إلى بشاعة وتشوه . فضلًا عن أن الأنظمة السياسية شيئت الإنسان، وأفقدته طبيعته وفطرته الإنسانية، وسلبت إرادته وهويته . وأطاحت بهيبة الموت وحولته إلى أمر اعتيادي يحدث في كل مكان وكل زمان . وفي ظل كل تلك القباحات سُير الفرد مكبلًا وعاجزًا عن تغيير مصيره، محصورًا في خيارٍ واحد لا بديل عنه، وهو الرضوخ للنظام السياسي، ومساعدته على تسريع وتيرته الهدامة للحياة الإنسانية . بذلك يلتمس القارئ أن للشخصيات ذكاءً فطريًا، وبعدًا نظريًا، وعمقًا نفسيًا، وحسًا أمنيًا عاليًا، مكنها من قراءة المستقبل وهي تعيش الحاضر، إذ رآها في كثير من الأحيان تتسيّد الحدث القبيح بكل ما تمتلك من طاقة، وتسارع في بلوغ مرحلة الهدم والخلاص، عجزًا منها عن إصلاح الحياة، ويأسًا تامًا من القدرة على خلق وإنشاء حياة جديدة أمنة مستقرة ؛ لأن القبح فيها ثابت وأزلي ومطلق، ومتوغل في كل مفاصل الواقع، تاركًا بصمته في كل الأماكن، مفصحًا عن خلوده على مر الأزمنة .
ضمت رواية عُطارد شخصيات عديدة، منها رئيسة، تحكمت في أحداث السرد ووجهته الوجهة التي ينشدها ربيع، ومنها ثانوية، أثثت الفضاء العام للرواية . وتعد شخصية عُطارد الشخصية الرئيسة في الرواية، نظرًا لأنها تشكل محورًا ثابتًا على امتداد السرد، ومنحها الروائي مساحة ورقية كبيرة، مميزًا إياها عن بقية الشخصيات، بانفرادها في التعبير عن نفسها وعن الآخرين في جميع فصول الرواية . كشف مدخل الرواية عن نقطة تحولها الخيالية الأولى، من ضابط أمن يحقق في جرائم القتل، ويلاحقها ويحد من خطورتها على حياة الأفراد، إلى ضابط يسرح بخياله بعيدًا، ويحمل رؤية مستقبلية مقتبسة من الواقع، وهذا ما كشف عنه النص الآتي:
" نظرت في السماء، ورأيت بين النجوم ابنتيَّ وزوجتي، ورأيت أسمائهن مكتوبة تحت صورهن في الصحف . الزوجة عبير عبد الحق 37 سنة، والطفلة فريدة 11 سنة، والطفلة سالي 4 سنوات . ورأيت صورتي معهن، النقيب أحمد عُطارد . كان الخبر بلا عنوان وبلا تفاصيل، فقط خطوط سوداء في موضع الكتابة تحت الصور (...) لكني كنت أعرف أن هذا خبر قتلي لهن، ولم أعلم أبدًا لما كنت واثقًا إلى هذا الحد أنّي سأقتلهم قريبًا، وأني سوف أغير مصيرهم إلى مصير أفضل ولو كان موتًا . ثم رأيت أني سأقتل الكثيرين، وأن عددًا هائلًا من الناس سيقتلون " ( محمد ربيع، 2015 : 8- 9 )
قدمت شخصية عُطارد نفسها في مدخل الرواية بسرد ذاتي، كشفت فيه عن وضعها الاجتماعي (متزوج ولديه ابنتين) وعن مهنتها ( نقيب في الجيش المصري ) وعن اسمها (أحمد عُطارد) . ونقلت صورًا تخيلية حملت رؤية استباقية تمهيدية، عبرت منذ الوهلة الأولى عن قوة حضورها، وأهميتها في تسيير الأحداث . وعرفت القارئ بأنه سيخوض مغامرة غامضة وقبيحة ومتناقضة ومثيرة ومخالفة للمألوف . فاختيار الروائي نقطة انطلاقها التعريفية الأولى من مشهد تخيلي لها في السماء بين النجوم، ويعد ذلك رسمًا جماليًا دقيقًا، ابتدعه ربيع وهو يرسم شخصيته الرئيسة، مانحًا إياها موقعًا عاليًا مترفعًا عن الإمكانيات البشرية، كاشفًا عن بُعد نظرها، وعمق أثرها، وشفافية رؤيتها، وهي تغوص في الأعماق وتعرف الخبايا، وتكشف الأسرار، وتستخلص المعاناة، وتأخذ على عاتقها مهمة تخليص الافراد وتغيير مصيرهم للأبد . وهذا ما مكنها من فرض سيطرتها على الذوات الأخرى، ابتداء من الزوجة والبنات، واتساعًا في فرض السيطرة لتشمل فيما بعد القاهرة بأجمعها .
ومن جانب أخر تبرز جمالية المقطع السردي المفصح عن الشخصية الرئيسة، قدرة فائقة أمتلكها ربيع وهو يقدم شخصيته في مدخل الرواية تقديمًا أوليًا منطلقًا فيه من شعور قد تملكها واستحكمها، وهي تمارس عملها المهني، وتحقق في جريمة قتل متعمد، ارتكبها أب بحق أولاده وزوجته في عيد الأضحى – مقتبسة من الواقع المصري – أوردها ليقارب فيها بين الواقعين المصري والروائي، وليجعل روايته أكثر التصاقا بالواقع، وأكثر تعبيرًا عنه . فالنقيب أحمد عُطارد يستبق الأحداث، ويعلن لقارئه منذ البداية أنه سيقتل عائلته، متأثرًا ومقربًا خياله من الواقع القبيح . وبذلك يكون ربيع قد نجح في كسب اهتمام القارئ وجذب انتباهه، بعد أن صدمه بجرعة استباقية كبيرة من القبح، لأن استباقه أتى قبيحًا مبهمًا متناقضًا . تدور حوله تساؤلات كثيرة . كيف لرجل أمن " نقيب " أن يقتل عائلته ؟ وكيف يكون واثقًا من قتله لهم ؟ وهل القتل يغير المصير ؟ وهل الموت خلاصًا ؟ ولماذا امتد خياله لنطاق أبعد من أسرته ؟ وكيف لهذه الصور الخيالية القبيحة الصادمة أن تتجمع وتتابع مُشكلةً تمهيدًا مثيرًا ومحفزًا للقراءة، لا منفرًا ولا مكرهًا ؟ وإنّما محببًا ومُقربًا وجاذبًا للقارئ . وكل هذه الأسئلة تتوزع إجاباتها في فصول الرواية الخمس .
بعد التقديم الذاتي الأولي لشخصية عُطارد في مدخل الرواية، تأتي فصول الرواية محملة بمضامين كثيرة، تترجم الغموض والتناقض الذي رسمه ربيع وهو يقدم شخصيته الرئيسة في المدخل . إذ فرضت أحداث الرواية الاستثنائية على الشخصية، الكثير من التحولات المهنية والنفسية، والتي أدت إلى تغيير نظرتها إلى الأشخاص والأحداث، وعكست سرعة تأقلمها وتكيفها مع الظروف، إذ إن تطورها جاء نتيجة تفاعلها المستمر مع الأحداث . فضلًا عن امتلاكها القدرة على مفاجأة القارئ بالفعل القبيح، باعتمادها المستمر على القبح والاشمئزاز والعنف، إلا أنه عادةً ما يترافق مع خدع نفسية، وتبريرات تبدو منطقية، لكسب تعاطف القارئ وتفاعله مع الفعل القبيح الصادم . فعُطارد بطل غير بطولي، بطل يتسم بسمات سلبية، له أخلاقيات متناقضة لتلك التي يتسم بها البطل ( ينظر : جيرالد برنس، 2003: 2 ) فشخصية عُطارد اتخذت دورًا رئيسًا في النص، وخلقت أجواءً غامضة وغير مألوفة، وحركت الأحداث والمشاعر، وألهبت الظنون، وهدمت القائم، وغاصت في بركة المحظور، وكشفت الحقائق، وآتت بالمتناقضات وبسطتها أمام أعيننا ووعينا .
عبرت شخصية عُطارد عن نفسها، وعن تحولاتها المهنية والنفسية، وكشفت عن المهام التي كُلفت بها . فبعد أن تعرضت القاهرة للاحتلال من قبل فرسان مالطا، انشقت القوات الأمنية إلى مجموعتين : مجموعة تقبلت الوضع وتعاونت معه، ومجموعة عارضت وقاومت بكل ما تمتلك من قوة ووحشية . واختار عُطارد أن يكون قائدًا للمجموعة الثانية . وبوجود قوتين متزامنتين متضادتين، كان لابد أن تسود إحداهما على الأخرى . ولتلك الضرورة تحولت شخصية عُطارد تحولًا مهنيًا قبيحًا، من شخصية سوية تخدم المجتمع، وتقضي على الشرور، إلى شخصية عبثية فوضوية، تجردت من كل المشاعر والأحاسيس، وتخلت عن طبيعتها الإنسانية، استعدادًا لاستقبال ما هو آتٍ، وتحولت إلى مجرد أداة تقتل الضباط والجنود والمواطنين . وكشفت للقارئ عن تحولها القبيح، من خلال استرجاعها لمجموعة من الذكريات، وهي تغادر المكان الذي بقيت فيه مدة سنتين . فنقلت ذاكرتها ما يأتي :
" بعد ساعات سننهي تمركزًا استمر مدة طويلة في البرج ( ... ) وكنت انا، العقيد أحمد عُطارد، قائد القوة الذي استمر صامدًا كل هذه المدة . ( ... ) كان أثرنا واضحًا، ضابط يسير في الشارع فيسقط دون مقدمات، جندي يجلس على مقهى ثم يتناثر مخه فوق طاولات القاعدين بقربه . ( ... ) عملي محض اجتهاد، لا خطة جاهزة لأطبقها، فقط أتفاعل مع ما يحدث ( ... ) أنا اعلاهم رتبة ( ... ) لا أتلقى الأوامر من قائدٍ آخر، وإنما حرية التصرف متاحة لي حسبما يقتضي الموقف " . ( محمد ربيع، 2015 : 18 – 22 )
قدمت شخصية عُطارد نفسها للقارئ تقديمًا ذاتيًا مباشرًا، باعتمادها على ضمير المتكلم، دون الحاجة إلى وسيط – سارد – مما خلق تفاعلًا حيًا بينهما . وأدخلت القارئ إلى عالمها، وكشفت له عن جوانبها الذاتية والنفسية والمهنية، التي رافقتها أثناء تأدية مهامها في برج القاهرة لمدة سنتين . وأظهرت سرعة تأقلمها مع المهنة الجديدة، وبينت أهميتها ومكانتها، وترفعها وعلو منصبها، وقوتها الداخلية النفسية التي مكنتها من الصمود كل تلك المدة .
وتبرز جمالية السرد الذاتي القبيح في قدرة شخصية ربيع الرئيسة، على فرض قوة حضورها منذ الظهور الفعلي الأول في النص، وبراعتها في صياغة كلمات ذات طاقة إيحائية كبيرة، عكست العاطفة الباردة واللامبالاة والتحول المهني والنفسي العميق، والإنغماس في عالم العنف والقسوة . فشخصية عُطارد تمثل نموذجًا للإنسان الذي تأقلم مع عبثية النظام السياسي ووحشيته، وفقد إنسانيته ومعاييره الأخلاقية، وتحول إلى أداة للقتل، بعد أن هيأ له النظام البيئة المناسبة، ومنحه القوة المطلقة والعزلة والانفصال والتحصن في برج القاهرة، وحرية التصرف، حيث لا خطة ولا هدف ولا غاية، فقط التفاعل مع الواقع، والاجتهاد في تفاقم الأزمة، وزيادة قبحها . فشخصية عُطارد مثلت النظام السياسي خير تمثيل، وجسدت وحشيته وعبثيته وقباحته في إدارة الأزمات . وأدخلت القارئ في دوامة شعورية، تضاربت فيها مشاعر القبح والجمال، حيث شعور الاشمئزاز من الأفعال والصور القبيحة، تقابله جمالية وقوة السرد على تجسيد الواقع الروائي، بإمكانيات معتمدة على الوحشية والعنف فقط .
وتستمر شخصية عُطارد في الكشف عن تحولاتها المهنية والنفسية القبيحة . فبعد أن انتهت مهمة عُطارد في برج القاهرة، سلك طريقًا جديدًا أكثر قبحًا ودموية . فتحول من ضابط متخفي، يقتل الضباط والجنود والمواطنين، إلى شخص أنسلخ عن الطبيعة الإنسانية انسلاخا تامًا، شكلًا ومضمونًا . إذ فرضت عليه عضويته إخفاء هويته الأصيلة، وأكسبته هوية جديدة . فجاء اختياره للهوية الجديدة، متراوحًا بين الجهل والمعرفة السطحية، وعبر عنها كما يأتي :
" عندما سألني النحات عن الشكل الذي أفضله للقناع، قلت له " اصبر .. سأفكر قليلًا (...) كنت أفكر فيما سأختاره عندما لاح أمام وجهي قناع بوذا . ( ... ) ارتبط بوذا في ذهني بالحكمة لكني لم أكن أعلم أي معلومات عنه . ( محمد ربيع، 2015: 57 )
يكشف النص لحظة وجودية عاشتها شخصية عُطارد، وهي تُسأل عن الشكل أو الهوية المستعارة أو المزيفة التي تفضلها . وهو سؤال يحمل تناقضًا كبيرًا، حيث السلب والمنح والحرية والقمع، تسيران جنبًا إلى جنب، فالصراع ينشئ بين السلطة القمعية التي تجرد عُطارد من هويته، وتسلبه شكله الحقيقي، وتحوله إلى أداة قتل، وبين منحه الحرية في اختيار الشكل الذي يريده، ما دام المضمون مفروضًا عليه . ونلاحظ أن الإجابة عن السؤال المصيري، اقترنت بتفكير قليل، عكست التناقض الذاتي الفكري المتذبذب بين الإدراك والرغبة في اتخاذ قرار واعٍ، وبين المعرفة السطحية والجهل والتأثر غير الواعي بالرموز الثقافية والدينية . فجاء اختيارها لقناع بوذا، متجاوزًا الإطار البشري، سريعًا، سبقته لحظات فكرية مقتضبة، ووعي غير مكتمل، مما عكس طبيعة الشخصية في الرواية، فهي سريعة التأثر، وتدعي الحكمة، تتكيف مع الظروف، تتأثر بالمحيط، وتؤثر فيه، وتتقبل ما يفرض عليها، وتنفذ ما يطلب منها، دون معرفة كاملة بحقيقة ما هي مقبلة عليه .
ويعكس اختيار قناع بوذا كوجه ثابت وجامد لشخصية عُطارد، جمالية شكلية، ورمزية دينية وثقافية، تستتر وراءها قباحة فضفاضة، لا يمكن حصرها في اتجاه معين، نظرًا لأنها تتوغل في كافة الجوانب، وتغوص في الإعماق، وتمهد الطريق، وتحمل الكثير من الزيف والخداع، وتعكس صراعًا بين الصورة الخارجية المثالية التي تطمح إليها الشخصية، والصورة الداخلية العبثية والفوضوية، التي فرضها الواقع المشوه الذي تعيش فيه . مما دفع عُطارد إلى البحث عن السكينة والسلام الداخلي والحكمة وسط الفوضى، وهذا ما يتناقض تمامًا مع أفعاله في الواقع . لأنه غارق في القتل والعنف والدموية . فارتداء قناع بوذا هو محاولة لإلباس الوحشية رداءً من السلام، وتغليف القبح بالعظمة، والفوضى والتهور بالحكمة، وإضفاء الشرعية والقداسة على القمع والعنف .
تركز شخصية عُطارد في كافة تحولاتها المهنية على فكرة المخلص، وهي فكرة استمدتها من دلالة اسمها، ودلالة الواقع الذي فرض عليها التمرد على القيود التقليدية، والتخلي عن هويتها الأصيلة . وأكسبها مظهرًا روحيًا يوحي بالسلام والسكينة والحكمة والبصيرة النافذة ـ حيث نراها في كثير من الأحيان تنتهج طريقة غريبة وغير مألوفة تتمثل بالقتل والوحشية والعنف. لتخليص البشرية من معاناتها وآلامها، ودائرة ولادتها المتكررة والمغلقة . فعبرت عن فكرة الخلاص الروحي بما يأتي :
أنا هنا في الجحيم، مهمتي الأولى إخراج الناس من الجحيم بقتلهم . قمت بذلك عندما كنت شرطيًا، وقمت به عندما كنت في المقاومة، والآن أقوم به بكل حماسة ( ... ) الآن يخرج بعضهم إلى الجنة وآخرون لن يخرجوا من الأصل بل سيعودون من فورهم إلى الجحيم . من سيخرجني من هنا ؟ كيف أعلم كل هذا ؟ " ( محمد ربيع، 2015: 273 )
يستعير عُطارد عالمًا آخرويًا للتعبير عن عالمه الموحش المأزوم، وعن الحالة الوجودية التي لازمته على مر الأزمنة . ويكشف أسراره دفعة واحدة، بكلماتٍ قصيرة مختزلة، ولغة مباشرة صريحة، عكست تماهيه مع أفعاله القبيحة والوحشية، التي أصبحت جزءًا من هويته، ومصدرًا ذاتيًا لإشباع رغباته . فمهمة عُطارد القبيحة الغربية والمخالفة للمألوف، كشفت عن صراعاته الداخلية، بين واجبه الأخلاقي تجاه الواقع المفجع المأزوم، وإحساسه بأن الزمن يسير في دائرة مغلقة، يتدفق فيها العنف والوحشية والعبث والفوضى بشكل مبالغ به، تصعب السيطرة عليه، وتعجز القدرات البشرية عن تغييره، وبين تصوراته المنفلتة من إطار البشرية، إلى الألوهية والروحانية، والتي ألبسته ثوب المخلص، ومنحته الحرية المطلقة، والحكمة والتحصين والانفصال، مع امتلاك السلاح بوصفه القوة الضاربة، مما دفعه إلى الإحساس بضرورة تخليص الناس مع الألم والمعاناة، واللجوء إلى الموت بوصفه خيارًا وحيدًا للخروج من الجحيم . إلا أَن عُطارد لم ينجح في استغلاله لفكرة الخلاص الروحي، نظرًا لأن الجحيم خالد وثابت، ويعيد نفسه في دوائر مغلقة، ولا توجد أي قوة قادرة على إحداث التغيير فيه . وبذلك يتحول عُطارد من شخص بطولي إلى شخص معذب مأزوم، يعي واقعه، لكنه عاجز عن تحقيق مثله الأعلى، وغير قادر على الخروج من دائرة العنف واليأس والجحيم، الذي صنعه أو وجد نفسه فيه، وغير قادر على تخليص الناس منه . لذلك نراه يعوض عجزه، بتعمق القيم السلبية، ويترك لها مساحة للتوسع وزيادة الأذى في المجتمع ( ينظر : علياء الداية، 2012: 206 )، على الرغم من أن أفعاله لا جدوى منها .
تبرز جمالية السرد في أن عُطارد شخصية خالية من مظاهر القبح الشكلية، تسعى للمثالية، تتحمل مسؤولية تخليص البشرية، وتفكر في إيجاد مخرج لأزماتها ومعاناتها، بتحويله مهمة القتل من واجب مهني إلى واجب وجودي . والقبح يكمن في كونه جزءًا من بنائها النفسي، مما يجعلها " أكثر إحساسًا بالقبح، منه بالجمال " ( راوية عبد المنعم عباس، 2005: 290 ) ولذلك نراها تمتلك قدرة عالية على خلق نص يعري القبح في الإنسان والحياة، ويجبر المتلقي على مواجهته، بوصفه وسيلة لتحريك المشاعر والفكر في الوقت ذاته، لأنه يحقق صدمة جمالية لا تُنسى، ويترك اثرًا نفسيًا عميقًا .
يمكننا القول إنّ شخصية عُطارد تشكل محورًا ثابتًا على امتداد السرد، تحرك الأحداث، وتختلق الأزمات، وترافق القارئ في رحلته وتسير معه جنبًا إلى جنب، وتراوغه في سرودها، فتارة تقدم له سردًا ذاتيًا تفصح فيه عن نفسها، وتارة أخرى تظهر محملة بسرود تقدم فيها الذوات – الشخصيات – الأخرى . فإذا كان ما سبق يمثل سرودًا قدمتها شخصية عُطارد لتعبر عن نفسها، فإن ما يأتي يمثل سرودًا قدمتها شخصية عُطارد لتفصح عن الشخصيات الاخرى، وتظهر أشكالًا متنوعة من القباحات . فالواقع الروائي الكابوسي القبيح المليء بالتناقض والخداع والزيف والعبثية والفوضى، فرض سلطته على الشخصيات، وروضها لتعبر عنه وتحمل مضامينه، شكلًا وقولًا واحساسًا وشعورًا، فجاء شكلها الخارجي قبيحًا مشوهًا غامضًا، مملًا ومنفرًا، ووضعها الاجتماعي منحلًا مفككًا متأثرًا بالظروف المحيطة .
ومن أولى الشخصيات التي قدمها عُطارد بوصفه ساردًا، شخصية القديس . فجاء تقديمها وفقًا لما يأتي :
" هذا هو الضابط المهندس المختص بالدرونات ( ... ) اتجه نحوي مباشرة وعرفني بنفسه، قال إنه الرائد جون مختار
أبدى عُطارد استغرابه عندما سمع أحدهم يناديه ب بلقب القديس
" وعندما سأل مستغربًا رد فيه جون
" يطلقون عليّ هذا اللقب لأني لم أقتل أحدًا بعد " .
سألته : " كيف حدث هذا ! نحن تحت الاحتلال منذ ثلاث سنوات الآن ! ألم تقتل أحدًا طوال هذه المدة حقًا ؟ الضابط لا يصبح ضابطًا إلا إذا قتل يا صاحبي " .
تجاهل القديس كلامي وعلى وجهه ابتسامة صفراء " ( محمد ربيع، 2015: 72 – 74 ).
يبدأ السارد / عُطارد بالكشف التدريجي عن شخصية القديس، مبتدئًا من مهنته ( ضابط )، وتحصيله العملي ( مهندس ) وتخصصه الدقيق (قدرته على التحكم بالدرونات )، يُعرف باسمه (جون مختار) وهو اسم يجمع بين الغربية والعربية، فاسم جون يرتبط بالقداسة والنبوة، واسم مختار يرتبط بالاصطفاء والاختيار . وأضاف لقب القديس، وهو لقب يوحي بالطهارة والنقاء . وأبدى تعجبه من اللقب، لأنه أبرز ازدواجية الشخصية وتناقضها مع مهنتها، إذ يشار إلى أنه لم يقتل أحدًا بعد، رغم عمله كضابط، وهو أمر عجيب وغير متوقع من ضابط يقاوم الاحتلال ويعيش في مجتمع كابوسي ودموي، يسوده القتل والعبث . فالحوار بين عُطارد والقديس يبرز أن العنف والقتل جزء لا يتجزأ من السلطة . فالقتل ليس وسيلة للبقاء، بل يعد وسيلة لترسيخ السلطة . ويختم القديس الحوار بتعبير يوحي بالتصنع والمجاملة الزائفة، والتهرب من النقاش وعدم الرغبة في المواجهة، كمحاولة لإخفاء مشاعره الحقيقية . ثم يكشف السرد تفاصيل أكثر عن شخصية القديس، تكشف عن بنائها المركب المتعدد الجوانب والأبعاد، وأفصح عن استعارتها لهوية شخصية سياسية مصرية مليئة بالتناقضات . فأعلن تفاصيل هويتها بما يأتي :
" أخرج القديس قناعًا قماشيًا وفك أربطته الخلفية ( ... ) كان القناع يحمل وجه أنور السادات وابتسامة واسعة وأسنانه بيضاء لامعة بالغة الضخامة، وبشرته شديدة السواد كأنها لزنجي " (محمد ربيع، 2015: 72 – 74)
أظهر النص السابق تناقضات في شخصية القديس، فهو قاتل وغير قاتل، وهو قديس يدعو إلى السلام والنقاء، ويتحكم في الدرونات التي تعطي أوامر القتل . ولتعزيز ذلك التناقض وتقوية أثره في الشخصية، جاء السرد محملًا بتناقضات إضافية، تكشف الزيف والخداع المستتر وراءها، فتجردت عن هويتها الأصيلة . ويشير ارتداء شخصية القديس لقناع أنور السادات إلى اختياره وجهًا سياسيًا، وتبنيه وجهة نظر سياسية، تحمل الكثير من التناقض، وتثير الجدل، والانقسام الحاد في الذات والمجتمع . فأنور السادات شخصية ليست أحادية البعد، إنما هي شخصية متعددة الأبعاد، تختلف فيها الآراء، وتدور حولها الشكوك . فيراها البعض شخصية بطولية صنعت السلام، ويراها البعض الأخر رمزًا للخيانة، لأنها تطبعت مع إسرائيل , وأعادت تشكيل الهوية الوطنية العربية . وهذا ما يشير إلى الانقسام الداخلي للشخصية المصرية حيث تتداخل البطولة والقداسة بالخيانة والزيف . فشخصية القديس تتخذ الدين كقناع تستر به القباحات السياسية، لتحقق السيطرة على الأفراد . وترتدي قناعًا يحمل ملامح شخصية سياسية معروفة (أنور السادات)، مع إضافة تغييرات مبالغ فيها مثل ( البشرة الداكنة جدًا والابتسامة الواسعة)، يُمكن تفسيره كرمز لانتزاع الهوية السياسية مع القدرة على التلاعب بها، أو القدرة على السخرية والتهكم والتلاعب بالأوصاف الجسدية لإظهار الجانب القبيح وتضخيمه . فالقناع يشير إلى الانفصال بين الداخل والخارج، فضلًا عن إفادته كأداة للتمويه والخداع . فاستدعاء شخصية أنور السادات في القناع يُلمح إلى قضايا تتعلق بالسلطة والنفاق السياسي.
إن ربيع في رسمه لشخصية القديس، أبرز قدرة كبيرة على خلق جمالية مركبة، غاصت في الدين والسياسة والواقع، وأخرجت مزيجًا مركبًا من قطعٍ منفصلة، وكونت شخصية متكاملة الأبعاد، لا يقوى أحد على خلقها، سوى من يمتلك حسًا جمالًا عاليًا، وذوقًا فنيًا راقيًا، وإحساسًا مشبعًا بالواقع في كافة أبعاده . فتناقضاتها القبيحة وتركيباتها الجزئية، أظهرت جمالية فكرية وقدرة إبداعية على جمع أجزاء متفرقة وايديولوجيات مختلفة . وهذا ما يظهر جانبًا ذوقيًا حداثيًا متقدمًا " حيث الاختلاف بين الدنيوي والمقدس، والغريب والمعتاد، ليس يصير سوى جماليًا " ( أدغار موران، 2019: 31 ) فضلًا عن أن شخصية القديس، وما تحمله من ايديولوجيات سواء كانت دينية أو سياسية، تعكس صورة الإنسان المعاصر، الذي يعيش حالة الانفصال بين حقيقته الداخلية، ومظهره الخارجي، وبين قيمه المعلنة وواقعه المظلم .
هناك شخصيات أخرى حملت مضامين الواقع القبيح، وعبرت عن وحشيته وعنفه، وقدرته على تدمير الشخصيات داخليًا، وتغيير ملامحها، وتدمير حجمها، واختلاط الحدود بين الهوية الأنثوية والهوية الذكورية، وتشويه الشكل الطبيعي، وسيطرة العبث والفوضى ليس على دواخل الشخصيات وأبعادها النفسية فقط، بل يطول القبح والعبث المظاهر الخارجية أيضًا . ومن النصوص التي عبرت عن القباحة المرئية المتمثلة بالتشوهات الجسدية، نص يصف فتاة الكوبري، يسرد فيه عُطارد ما يأتي :
" فتاة نحيلة تجلس على كرسي مرتفع أمام الستار، تبدو ساقيها ناعمتين في الضوء الشحيح، ووجهها صغير متناسق، وأحمر شفاه قاتم يزين وجهها، ترتدي جلبابًا خفيفًا، يظهر جيدها وجزءًا من ثدييها من جيبه . ( محمد ربيع، 2015: 43 )
يبدأ تقديمه لفتاة الكوبري بوصف دقيق لهيئتها، فجلوسها على الكرسي، يوحي بالترقب والسيطرة . ثم يدخل في تحشيد أوصاف حسية، وعبارات تنشأ تقبلًا جمالبًا، من نعومة الساقين، التي تستدعي الشعور بالرقة، والضوء الخافت الذي يُلمح إلى أن ما يُرى ليس كاملًا أو واضحًا، وأحمر الشفاه القاتم ودلالته على الجاذبية القوية، والغموض والتحدي، والملابس الساترة الكاشفة، التي تعزز الإغراء، وتشكل صورة شبه مثالية للجمال . إلا أَن هذا الجمال سرعان ما يزول، وينهار تدريجيًا عند رؤية العيب أو التشوه الجسدي، الذي عبر عنه السرد الآتي :
" رفعت عيناي ورأيت وجهها واضحًا لأول مرة، بدا لي أن عينها اليمنى حولاء، تنظر إلى الجانب فلا تتحرك كما تتحرك عينها الأخرى (... ) سقطت عينها الحولاء على الفراش، وبدت عينها الحقيقية مشوهة تمامًا . أدركت أن التي سقطت كانت غطاء صناعيًا لعينها (...) ظهرت عينها المعطوبة بلا جفن علوي، كانت تنظر إلي بعين واحدة رمادية أرى تعرجات طفيفة على سطحها، عينٌ عمياء لا ترى، مفتوحة باتساع، وجفنها العلوي ممزق وبلا أهداب . ( محمد ربيع، 2015: 43 – 44 )
إنّ العيب أو التشوه الجسدي المتمثل بالحول يشوه الصورة المثالية للجمال، ويسقط القارئ في صدمة فجائية، فلحظة الإدراك البصري هي لحظة الصدمة النفسية، التي ولدت شعورًا بالتناقض والانزعاج . بالرغم من أن العين الصناعية حاولت خداع البصر، وأخفت القبح، بحل مؤقت زائف، إلا أنه لم يصمد كثيرًا أمام الواقع . فسرعان ما تلاشى الجمال وأتى السرد مركزًا على التشوه أو القبح، نظرًا لأن الجمال ليس سوى قشرة زائفة، ومظهرًا خداعًا، والجسد البشري، سريع الانهيار، هشًا ضعيفًا، معرضًا للضرر والتشوه . وبذلك يسعى الروائي إلى تحطيم الفكرة التقليدية للجمال المثالي من خلال تسليط الضوء على هشاشته وزيفه، ليبرز القبح كحقيقة لا يمكن إنكارها . فالقبح ولا سيما الجسدي منه هو الأقرب إلى الحقيقة، على عكس الجمال الذي يقنع الوجود ويستر الدواخل البشرية ( ينظر : سحر ريسان حسين، 2022 : 11 ) . فالجمال والقبح في النص لا يتعارضان بل يتمازجان ليكشفا عن حالة وجودية معقدة، لا يمكن فيها الفصل بين الزيف والحقيقة وبين الجمال والقبح .
يكشف التشوه في النص عن خلل جسدي قادر على إثارة الأفكار وتحريك المشاعر، للكشف عن الجمالية التي تكمن وراء توظيفه في النص، فالتشوه والقبح ليس مجرد " تشويه عجائبي للأشياء والحياة، بل يتضمن نوعًا من المواثيق التي تشعر القارئ، بأنها تحيل أو تمثل حقيقة ما في الحياة " ( عبد الواحد رحال، 2019 : 148 – 149 ) فالعين المشوهة ليست مجرد جزءًا مفقودًا من الجسد البشري، بل هي عالمًا مصغرًا، يعكس العالم الأكبر المشوه، ويمثل المعرفة المشوهة، العاجزة عن رؤية الحقيقة . فهي استعارة لفقدان البصيرة، وصورة للعالم الروائي الذي بات يتعفن من الداخل . فضلًا عن كونها تعبر عن حالة الاغتراب والتناقض بين الظاهر والباطن، وبين الكمال المنشود والحقيقة القاسية .
ويؤكد ربيع على أهمية القبح بوصفه مصدرًا للجاذبية والجمال . ويقدم السرد وصفًا حسيًا لشخصية فريدة بعيون عُطارد، إذ يقول واصفًا مظهرها الخارجي :
" لم تكن فريدة على قدر من الجمال ؛ لها جسد نحيل، وبشرة سمراء شاحبة توحي بالمرض المزمن أو سوء التغذية، وجسد صبياني إلا من مؤخرة عريضة تصلح لأن تكون لجسد آخر غير جسدها . لكن الشعر القصير أسرني، كذلك الوجنتان البارزتان والوجه المستطيل كأنه وجه فرعوني " ( محمد ربيع، 2015 : 88 ).
يصف عُطارد شخصية فريدة بسمات جسدية متناقضة، تتراوح بين الجمال والقبح . مما يعطي الشخصية تميزًا وتفردًا، ويعطي المقابل إحساسًا بالانجذاب والنفور معًا . فالجسد الموصوف يطمس الحدود التقليدية الفاصلة بين الذكر والأنثى، ويضفي سمات ذكورية على الجسد الأنثوي، وسمات قبيحة على جسد يبدو جميلًا - على الأقل بعيون عُطارد - . فهذا الخلط الغريب يشكل جاذبية خارجة عن المألوف . فضلًا عن أن الرسم الدقيق للتفاصيل الصغيرة في جسد فريدة، يظهر كيف يمكن أن تُنشئ جمالية السرد وقوته الإيحائية، تقبلًا وتكيفًا مع صفات في العادة قد تكون قبيحة، مما جعل القارئ يتجاوز معايير الجمال التقليدية، ويرى الجمال في التفرد والتميز والقبح . نظرًا لأن معايير الجمال نسبية، غير ثابتة . ويمكن للقارئ أن يشعر بالجمال مكتفيًا بقوة الأسلوب، وطاقته الإيحائية، وقدرته على التأثير في نفسيته، وتحريك مشاعره – لا يشترط أن تكون جمالية – ودفعه إلى التأمل الفكري، للكشف عما يقف وراء النص . والنص يتحدى القارئ ويدفعه إلى الاعتراف بالحس الجمالي المتفرد المختلف، الذي خُلِقَ بداخله عند القراءة . بمعزل عن جمالية أخرى تتمظهر في أن فريدة صورة للحياة الواقعية التي تعج بالجمال المنكمش، السائر رغمًا عنه إلى قباحة، بسبب النحول والشحوب وسوء التغذية، وهذا ما يعكس صعوبة العيش وقلة موارد التغذية الجسدية الروحية .
الخاتمة :
ليس بمقدور الدراسة الأكاديمية الوصول إلى نتائج حتمية وحاسمة في المجال الذي تغوص فيه، سيّما المجال الإنساني المتجدد والمتطور دائمًا . وعليه سخرنا دراستنا البحثية لاستثمار ما وقع عليه نظرنا، وما تمكن فكرنا من فهمه وإدراكه، من مفاهيم جمالية، وآراء نقدية، خلقت فينا القدرة على قراءة رواية غارقة بموضوعات قبيحة، أنشأت تقبلًا، وحققت جمالًا خاصًا وفريدًا . ولعل النتائج التي توصلنا إليها كثيرة، وثمة نتائج عُرِضت في فقرات ختامية أثناء التحليل، وهناك نتائج إجمالية أخرى سيتم عرضها على النحو الآتي :
أولًا : اقتحم القبح عوالم فلسفة الجمال بوصفه مظهرًا من مظاهر التجربة الجمالية، وأبرز أهميته ومكانته في فلسفة الجمال الحديثة، بعد أن رفض قيود الجمال التقليدية، وتمرد على المنظومة الفكرية المألوفة، وتمكن من صياغة عوالم فنية جديدة، أظهرت إمكانية تقبُل التعدد والتنوع والاختلاف والتناقض والتضاد .
ثانيًا : إنَّ أشكال القبح المنتشرة في جوانب متعددة من حياتنا الواقعية، يمكن أن تُمثل في الفن تمثيلًا جماليًا . فالمحاكاة الجميلة تحظى بتقدير إيجابي، بغض النظر عن الموضوع / الشكل الذي تحاكيه . وذلك لأن الجمال لا يتكئ على الشكل فحسب، بل يسعى إلى إحداث التناغم الجمالي بين الشكل والمضمون .
ثالثًا : تساير رواية (عُطارد ) العصر الذي كتبت به، وتؤكد انسيابية الشكل الروائي ومرونته وتمرده الدائم على ذاته لتلبية المتغيرات المحيطة به . فتبرز رواية ربيع جرأة فنية عالية تعري الواقع، وتفضح المستور، تكسر التابو، وتبحث في اللانهائي واللامألوف والمسكوت عنه، وتضيف إليه رؤى جديدة .
رابعًا : حرصت القباحة الفنية في نص ربيع بما تتضمنه من المبالغة والتهويل والتفخيم، على الاستحواذ على اهتمام القارئ، وجعله يقظًا، متفاجئًا بسردية تجمع بين المتناقضات، وتكسر أُفق انتظاره، وتجعل الأفق مفتوحًا لاحتمالات دلالية، لا تثير العواطف فحسب، بل تدعو إلى التأمل الفكري، للوصول إلى ما وراء النص .
خامسًا : امتلك ربيع ثقافة موسوعية في رسم الشخصيات وتصوير أبعادها الشكلية والنفسية، فنهل من الدين والسياسة والتاريخ والواقع ما يعيته على إنجار الحدث القبيح، فكانت بمثابة مرآة عاكسة للواقع بما فيه من عيوب وتشوهات وامراض وشذوذ، وأحقاد وشرور، وآلام ومعاناة .
قائمة المصادر والمراجع
1) أحمد، أحمد خلف، 2025، الهوية الذاتية في شعر المتشردين في العصر الجاهلي، مجلة النور للدراسات الإنسانية، المجلد 3، العدد 1
2) أسماعيل، عز الدين، 1974، الأسس الجمالية في النقد العربي ( عرض وتفسير ومقارنة )، دار الفكر العربي
3) بحراوي، حسن، 1990، بنية الشكل الروائي ( الفضاء، الزمن، الشخصية )، المركز الثقافي العربي
4) برنس، جيرالد، 2003، المصطلح السردي، ترجمة : عابد خزندار، مراجعة وتقديم : محمد بربري، المجلس الأعلى للثقافة
5) البزور، أحمد محمد، 2020، القبح في الشعر العربي ( قراءة نقدية ثقافية )، جامعة الزرقاء الخاصة، الأردن، المجلد 47، العدد 1
6) بلوز، نايف، 1982-1983، علم الجمال، المطبعية التعاونية، كلية الآداب، جامعة دمشق
7) تودوروف، تزفيطان، 2005، مفاهيم سردية، ترجمة : عبد الرحمن مزيان، منشورات الاختلاف
8) جيمينيز، مارك، 2009، ما الجمالية، ترجمة : شربل داغر، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان
9) حسين، سحر ريسان، 2022، تمثلات القبح : قراءة في رواية عُطارد للروائي محمد ربيع، مجلة دواة، مجلد 8، العدد 32
10) حمودة، عبد العزيز، 1999، علم الجمال والنقد الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر
11) الداية، عليا، 2013، الوعي الجمالي في السرد القصصي، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، سوريا
12) ربيع، محمد، 2015، عُطارد، دار التنوير للطباعة والنشر، القاهرة
13) رحال، عبد الواحد، 2019، خطاب الغروتيسك في الرواية الجزائرية، مقاربة في روايتي " رأس المحنة " لعز الدين جلاوجي و " الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء ط للطاهر وطار، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، مجلد 8، العدد 3
14) سانتيانا، جورج، الإحساس بالجمال، ترجمة : محمد مصطفى بدوي، مراجعة وتقديم : زكي نجيب محمود، د .ط، 2001
15) ستولينتز، جيروم، 2007، النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية، ترجمة : فؤاد زكريا، دار الوفاء، الاسكندرية
16) ستيس، ولتر . ت.، 2000، معنى الجمال ( نظرية في الاستطيقا )، ترجمة : إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة
17) سعدية، نعيمة، 2016، التحليل السيميائي والخطاب، عالم الكتب الحديث، أربد، الأردن
18) الصباغ، رمضان، 1998، الأحكام التقويمية في الجمال والأخلاق، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الأسكندرية
19) صليبا، جميل، 1982، المعجم الفلسفي، دار الكتب اللبنانية، بيروت، لبنان
20) عباس، راوية عبد المنعم، 2005، القيم الجمالية، دار المعرفة الجامعية، جامعة الاسكندرية
21) عبد الله، سالم نجم، 2025، القلق الوجودي في رواية ( الحافات ) لمحمود جنداري، مجلة النور للدراسات الإنسانية، المجلد 3، العدد 1
22) كروتشه، بنديتو، 1993، علم الجمال، ترجمة : نزيه الحكيم، مراجعة : بديع الكسم، المطبعة الهاشمية، الأردن
23) كليب، سعد الدين، 1997، البنية الجمالية في الفكر العربي – الاسلامي، منشورات وزارة الثقافة
24) لالاند، اندريه، 2001، موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الاول، منشورات عويدات، بيروت – باريس
25) لالو، شارل، 2010، مبادئ علم الجمال ( الاستطيقا )، ترجمة : مصطفى ماهر، الجزيرة، القاهرة
26) مدكور، ابراهيم، 1979، المعجم الفلسفي، القاهرة
27) مرتاض، عبد المالك، 1998، في نظرية الرواية ( بحث في تقنيات السرد )، عالم المعرفة، الكويت
28) موران، ادغار، 2019، في الجماليات، ترجمة : يوسف تيبس، الدوحة، قطر
29) نقرش، عمر محمد، 2013، جماليات القبح في النص المسرحي، دراسات العلوم الانسانية والاجتماعية، قسم الفنون المسرحية، كلية الفنون والتصميم، الجامعة الاردنية، المجلد 40، العدد 2
30) هندرسن، غريتشن . أي .، 2010، التاريخ الثقافي للقباحة، دار صادق